الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (17)

كتب_أ. د :علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية التي اعتنى بها الإسلام “سـلامة الإنسان والمجتمع” فقدمها على غيرها من الواجبات، ووضع جملة من القواعد الضامنة لسلامتهما، منها قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، والضرر أن يوقع الإنسان أذى بإنسان آخــر لتحقيق منفعة، والضرار أن يوقع به أذى بدون منفعة كرها فيه، أو الضرر أن يضر الإنسان نفسه والضرار أن يضر الإنسان غيره، أو الضر أن يضر الإنسان أخاه، والضرار أن يبادله أخوه الضرر، فالضرار ضرر يقع منهما عليهما، وفي كل إثـــم، ومن القواعد أن “الاجتناب مقدم على الاجتلاب”، أي “درء المفسدة مقدّم على جلب المنفعة” أي منع الضرر أهـمّ من تحقيق النفع عند التساوي؛ لأن البعد عن الإثم الموجب للعقاب أهم من فعل الخير الموجب للثواب، و”تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند التعارض”، فلا يجوز للإنسان أن يلقي بالمخلّفات في الشارع فيؤذي الناس.

ولسلامة المجتمع شرع الإسلام الحجر الصحي وهو تقييد حرية الإنسان لسلامته أو سلامة الآخرين، فجاء في الحديث “إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا”، وتم تطبيقه في عهد عمر سنة18هــ، حينما رفض دخول الجيش بلاد الشام لما انتشر الوباء بها حفاظا على سلامتهم، فسأله أبوعبيدة: أَفِــرَارا مِن قَدَرِ اللَّه؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أبَا عُبيْدَةَ! نَعَمْ نَفِــرُّ منْ قَدَرِ اللَّه إلى قَدَرِ اللَّه، والتزم المسلمون بقرار عمر؛ لأنه الحاكم، وطاعته واجبة إلا أن أبا عبيدة بقي في الشام، فأصابه الوباء فمات به، وقرار عمر يؤكد أهمية الأخذ بالأسباب، ولا يتعارض ذلك مع قدَر الله.

ولأن الأمراض إذا انتشرت تصيب الناس عامة رفع الإسلام شعار “الوقاية خير من العلاج”، فجاء في الحديث “فــرّ من المجذوم فرارك من الأسد”، لأن الجُذام مرض جلدي معدٍ، وإذا خالط مريضه صحيحا فقد يعديه، وفي حديث آخر يقول النبي: “غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وأغلقوا الباب، وأطفِئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابا، ولا يكشف إناء”، فهنا حرص واضح على عناية الإسلام بسلامة الإنسان والمجتمع، فأمر بتغطية إناء الطعام وربط أفواه القِرَب المملوءة ماء تجنبا للتلوث أو التسمم، وأمر بإغلاق الأبواب وقت النوم لسلامة النائمين، وأمر بإطفاء المصابيح عند النوم احترازا من حدوث حريق.

ومن عناية الإسلام بسلامة الإنسان أن رفع عنه الحرج في عدم أداء شعائر الحج والعمرة والصيام، بل رفع عنه صلاة الجمعة وصلاة المسجد، وحـث الناس على الصلاة في البيوت، فجاء في الحديث “صلوا في رحالكم” أي صلوا في بيوتكم، وإذا كان الوباء كـفيروس كورونا، يتطلب معطيات مستحدثة فإن الكلمة الفاصلة تكون للعلم، انطلاقا من قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، فما أجمل إسلامنا الذي اتخذه الله دينا! لكن كل هذه الأسباب لا تغني عن الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن الله هو الحافظ والنافع والضار والمعطي والمانع، ولا يكون إلا ما أراد، {إِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ}، فلنحسن التوكل على الله، ولنكثر من الدعاء والذكر والاستغفار والصلاة والتصدق، وقد حل الكرب بالأنبياء والمؤمنين، فلجأوا إلى الله فاستجاب لهم، فاصنعوا صنيعهم.

زر الذهاب إلى الأعلى