الدين والحياة

لقاء الجمعة: القيم الإنسانية (18)

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

من القيم الإنسانية في الإسلام قيمة “الإحسان”، وهو خلق يحبه الله في المؤمن، فأمر به قائلا: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وحـفّــز عليه فقال: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ}، وجعله الله إحسانا متبادلا فقال: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}، وجعل المحسن في معيته فقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وبشره بحسن الثواب، فقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، فالرحمة هنا بمعنى الثواب، فكُتبت بتاء مفتوحة، ولا تُكتَب هكذا إلا إذا مقيدة بمعنى ما غير مطلقة؛ ولذلك ذكّــر كلمة {قريب} حملا على المعنى، والدليل قوله تعالى: {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ}، و{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، الحسنى الثواب، والزيادة تضعيف الثواب، أو الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله، وهذا الثواب حــق للمحسن نتيجة إحسانه لقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، أي ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهو استفهام مجازي للتأكيد ولفت الانتباه.

لكن ما الإحسان؟ عـرّفه النبي بقوله: “أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ”، فهو حسن العبادة لله، ويقاس عليه حسن العمل وحسن التعامل، لذلك جاء في الحديث “إنَّ الله كَتَبَ الإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإذَا قَتَلْتُم فَأحْسِنُوا القِتْلَة، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ”، فما من شيء إلا والإحسان مطلوب فيه حتى القتل وهو إزهاق الروح يجب فيه الإحسان، والمقصود به القصاص، فلا يجوز تعذيب المقتول، والإحسان في ذبح الحيوان بحَــدّ السكين وسرعة الذبح، “وليُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَه، وَلْيُرِح ذَبِيحَتَهُ”، بل إن الإحسان هو غاية ما يسعى إليه المؤمن، {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.

وفرق بين حسن العمل والعمل بالمثل، فوصْل من يصلك وإعطاء من يعطيك معاملة بالمثل، إنما الإحسان أن تصِل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمَّن ظلمك، قال ربنا للنبي: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وقال له: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، أي تحلّ بالعفو وشبه العفو بشيء مادي يؤخذ ويُمتلَك، فإذا امتلكه صار متحليا به، والعرف هو المعروف قولا وعملا، والجاهلون السفهاء، والمقصود التحلي بالحِـلم في رد الفعل.

ومن هنا جاء الأمر بالإحسان في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}، والإحسان أعلى درجة من العدل، فهو الفضل الذي أوصانا الله به في قوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، وذكر مثالا للعدل والإحسان في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، فأول الآية عدل وآخرها فضل، و{إيتاء ذي القربى} من الإحسان، لكنه خُصّ بالذكر لأهميته؛ لأن الإحسان مع الأهل أوجب، لذلك جعل الله من الإحسان الإنفاق على الزوجة المطلقة، فقال: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}، أي واجبا عليهم.

والمجتمع الإسلامي قائم على الإحسان إلى مطلق الناس، قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}، وفي الحديث “رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى”، سمحا: سهْلا كريما، واقتضى: طلب حقه، وأوْلى الناس بالإحسان وليّ الأمر بطاعته في المعروف وعدم منازعته، والوالدان ببِــرّهما ثم الأهــل والجيران بطيب المعاملة، ومظاهر الإحسان كثيرة، ففي الحديث “سبع تجري للعبد بعد موته: مَن علّم علما، أو كَرَى نهرا، أو حفر بئرا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدا، أو ورّث مصحفا، أو ترك ولدا يستغفر له”، كرى نهرا حفره، فأحسنوا إلى الناس تستعبدوا قلوبَهم.

زر الذهاب إلى الأعلى