الدين والحياة

القيم الإنسانية 19: فعل الخير

بقلم:ا.د علاء حمزاوي

ــ من القيم الإنسانية في الإسلام قيمة “الخـيـر”، وهو اسم جامع لكل صالح نافع للإنسان والمجتمع في الدنيا والآخرة، و”فعل الخير” قيمة سامية يحبها الله في عباده، فحـفّـزهم عليه، فقال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}، ثم أمرهم الله به، فقال تعالى: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، ففعل الخير من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة؛ ومن ثم أمر الله بالاستباق إليه، قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}، وكان فعل الخير نعمة من الله للأنبياء، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ}، فكانوا {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}، وهي صفة المؤمنين، قال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}؛ لذا كان من دعاء النبي “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ”.
ــ وفعل الخير عمل تعبّدي ينفع صاحبه في الآخرة، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}، أي السابقون إلى فعل الخير للإنسانية هم المقربون من الله و{في جنَّات النَّعِيمِ}، و{الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}، والإحجام عنه سبب في دخول النار، قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ}، بل إن عدم فعل الخير تكذيب بالآخرة، {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}، فافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
ــ ولأن فعل الخير عظيم لم يكتف ربنا بالأمر به، بل أمر المؤمنين أن يكونوا دعاة للخير، فقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}، وقال النبي: “إن هذا الخير خزائن، ولهذه الخزائن مفاتيح، فطوبى لعبد جعله الله مِفتاحاً للخير مِغْلاقاً للشر، وويل لعبد جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقاً للخير”، و”الدال على الخير كفاعله”، فالذي لا يستطيع فعل الخير يدلّ غيره عليه فيكون بذلك خيّرا؛ فيؤجر بأجره، وسأل موسى: “يارب أنت أرحم الراحمين، فكيف جعلت ناراً ستدخل فيها الناس؟ قال يا موسى: كل عبادي يدخلون الجنة إلا مَــن لا خير فيه”، فافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
ــ ومظاهر فعل الخير كثيرة، فمدح الله المؤمنين بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}، وكان فعل الخير من لوازم النبي، فوصفته خديجة بقولها: “إنك لتصل الرحم، وتصْدُق الحديث، وتحمل الكلّ، وتَقري الضيف، وتُكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق”، فهذه أفعال خير، إنه واصل لرحمه، وصادق في حديثه، يحمل أثقال الفقراء والضعفاء بالإنفاق عليهم، مضياف للناس، جواد بماله للمحتاج، يُواسي الناس في مصائبهم، وهو أسوة حسنة لمن يرجو الله واليوم الآخر.
ــ ولذا كان يحثّ صحابته على فعل الخير، فيقول: “أفضل الأعمال أن تُدخِل على أخيك المؤمن سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو تُطعِمه خبزا”، وفاجأهم ذات يوم بسؤال: من أصبحَ منكم اليوم صائمًا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: فمن تَبِع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبوبكر: أنا، قال: فَمَنْ أطعم منكم اليومَ مِسْكِينًا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ فقال أبو بكر: أنا، فقال النبي: ما اجْتَمَعْنَ في امرئ إلا دخل الجنة”، والحديث يشير إلى أن فعل الخير عظيم عند الله مهما كان قليلا، ولذا قال النبي: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ” بشوش ضاحك، وسقى رجلا كلبا يلهث فشكر الله فعله فدخل الجنة، فافعلوا الخير لعلكم تفلحون.
ــ وأعلى مظاهر الخير الإنفاق، ففي تجهيز جيش العسرة (تبوك) فتح النبي باب التبرعات، فتنافسوا في ذلك، وكان أعلاهم عثمان تبرع بثلاثمائة بعير وألف دينار، فبشّره النبي به بقوله: “ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم”، ومعناه أن النبي ضمن له الجنة، فلن تضره معصية بعد ذلك.
ــ فسارعوا في فعل الخير قبل أن يمنعكم مانع من ذلك، يقول النبي: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟”، أي سارعوا بفعل الخيرات قبل أن يأتي فقر ينسي صاحبه الخير لانشغاله بطعامه، أو غنى يؤدي إلى الطغيان فيبعده عن الخير، أو مرض مفسد للبدن فيمنعه من الخير، أو شيخوخة تؤدي إلى خفة العقل فلا يبالي بالخير ، أو موت مفاجئ يحرمه من فعل خير، أو فتنة الدجال فتشغله عن كل خير، أو قيام الساعة فينقطع عن الخير، فافعلوا الخير لعلكم تفلحون.

زر الذهاب إلى الأعلى