الدين والحياة

القيم الإنسانية 20 : التغافــل

كتب_أ. د:علاء حمزاوي

هو قيمة عظيمة في الإسلام، وهو تكلّف الغفلة عن أخطاء الآخرين وهفواتهم قدر الإمكان دون حساب ولا عتاب تكرّما وترفّعا؛ ليبقى حبل الــودّ بينهم موصولا، ومن التغافل أن تنصتَ لكلام الآخر كأنك لم تسمعه، وأنت تعرفه أكثر منه تقديرا له؛ فالتغافل هو خلُق كريم نبيل، به تبقى العلاقات قوية بين الناس، لذا قيل: “العقل مكيال، ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل”، و”التغافل من فعل الكرام”، و”الكيّس العاقل هو الفطن المتغافل”، و”تسعة أعشار حسْن الخُلُق في التغافل”.

لذا مدح الله المؤمنين بصفة التغافل، فقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، فاللغو هو الإساءة، والإعراض هو التغافل، فهم متغافلون عن تلك الإساءة، وأكد ربنا تلك الصفة في قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا .. وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} أي تغافلوا وصفحوا

وأكثر الناس احتياجا للتغافل الزوجان؛ لأنهما نواة الأسرة والمجتمع، استمراهما معا استمرار للمجتمع بشكل آمن مستقر، والتغافل بينهما من الفطنة والذكاء، ولتقوية مبدأ التغافل بينهما قال العلماء: من أراد زوجة كفاطمة فليكن هـو كعليّ، ومن أرادت زوجا كعليّ فلتكن هي كفاطمة، قال تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ}، ثم التغافل مع الأولاد، فهو أسلوب من أساليب التربية الإسلامية، يأخذ به العقلاء في علاقتهم بأولادهم؛ فالأب العاقل لا يستقصي أخطاء أولاده، ولا يُشعرهم بأنه يعلم عنهم كل صغيرة وكبيرة؛ لأنه إذا أعلمهم بذلك وجب عقابهم فتقسو قلوبهم تجاهه، وإن لم يعاقبهم ذهبت هيبته من قلوبهم؛ فتمادوا في أخطائهم، في حين أن تغافله عن هفواتهم يعينه على تقديم النصح لهم بشكل غير مباشر، لكن لا يتحول التغافل مع الزوجة والأولاد إلى حـرية مطلقة، فيترتب عليه فساد أخلاقي يدمر الأسرة والمجتمع، فيجب التوقف عند الأخطاء الجسيمة حسابا وعقابا، ثم التغافل مع الآخرين؛ فهو يثمر علاقة طيبة معهم، فيزيد في نظرهم تقديرا.

ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، فقد اتصف بهذه الصفة العظيمة مع الجميع، فمِــن تغافله مع أهل بيته أنه حكى لحفصة أمرا سـرا، (وهو تحريم مارية عليه أو تحريم شرب العسل على نفسه أو البشرى بخلافة أبي بكر وعمر)، وطلب منها ألا تفشيه لأحد، لكنها حكته لعائشة، فأطلعه الله على ذلك، فأخبر النبي حفصة بعض حوارها مع عائشة دون عنف ولا عتاب، ولم يخبرها بالحوار كاملا تغافلا منه وتمشيا مع أدبه الكريم، إنما أخبرها ببعضه ليعرّفها أن الله أطلعه عليه، فكان تغافله كرما وحياء، قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ}، أعرض تغافلا منه ورحمة بها.

وخدم أَنَس النبي عَشْرَ سِنِينَ، فلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ كَلِمَةَ عِتَابٍ وَلَا لَوْم، ولم يقل له: أُفّ قَطُّ، وَلم يقل له: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟ وروي أن أعرابيا أمسك النبي من ثوبه حتى أثر في جسده الشريف وقال له: يَا مُحَمَّدُ، أعطني مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي عِندَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْه، فضَحِكَ، ثُمَّ أَمر لَهُ بعَطَاءٍ”، متغافلا عن سوء سلوكه، بل كان النبي يتغافل عن أذى المشركين له، فكانُوا يَلْعنونه وَيَسبونه، وَيَقُولُونَ: مُذَمَّمٌ بَدَلَ مُحَمَّدٍ، فيتغافل عن سبّهم، يقول لأصحابه: “أَلاَ تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ، يَشْتِمُون مُذَمَّمٌا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ” وهو يعلم أنه المقصود لكنه يتغافل.

ومع أن النبي كان يتغافل في حقه لكنه لم يكن يتغافل في حق الله، فما كان يغضب لنفسه، بل كان غضبه لله، فذات مرة أتاه رجل فقال: إني أتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا، فغضب النبي غضبا شديدا من الإمام، وقال: يا أيُّها الناس، إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم ما صلى بالنَّاس فليتجوز فإنَّ فيهم المريض والكبير وذا الحاجة”، فتغافلوا يؤجركم الله.

زر الذهاب إلى الأعلى