الدين والحياة

القيم الإنسانية: الـكــــرم

أ.د:علاء حمزاوي

ــ من القيم الإنسانية في الإسلام قيمة “الكـــرم”، وهو العطاء والإنفاق بإخلاص وسخاء وسهولة ورضا نفس في أمور طيبة نافعة للفرد والمجتمع، كإطعام جائع وقضاء حاجة وإعانة محتاج وتفريج كربة وصلة رحم وتعليم وغير ذلك، والكرم من صفات الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، وفي الحديث “إنَّ الله جواد يحبُّ الجوادَ، ويحب معاليَ الأخلاق”، و”إنَّ يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفَقةٌ سَحَّاءُ الليل والنَّهار”، ويغيضها: ينقصها، وسحّاء: كثيرة العطاء دائمة، أي أن كرم الله لا ينفد، ومن كرم الله لنا مغفرته وتوبته وعفوه، فهو {غَافِر الذَّنبِ وَقَابِل التَّوْبِ} {وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}، ومن كرمه الرزق الطيب، قال تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}، ومن كرمه إجابة الدعاء، فقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، ومن كرمه نعمه علينا، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، ونعمه لا تُعَدّ ولا تُحصَى {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}.

والكرم من صفات الملائكة، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ}، وكرم الملائكة طاعتهم المطلقة لله، فهم {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}، لذلك وجب علينا إكرامهم بفعل الطاعات، يقول النبي: “أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الخلاء أو الجماع ، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر”، فستر الإنسان نفسه إكرام للملائكة.

ــ وكان الكرم من صفات الأنبياء، قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ}، وقال النبي في وصف يوسف: “هـو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم”، وكان نبينا أكرم البشر وأجوَد بالخير من الريح المرسَلة، وتعبير (الريح المرسلة) يحمل دلالتين: دلالة السرعة ودلالة الرحمة، وهذا معناه أن النبي سريع الكرم بالعطاء، وعطاؤه نافع للناس، سأله رجل غنما كثيرا فأعطاه إيَّاه، فأتى قومَه فقال: يا قوم أسلِموا؛ فإنَّ محمدًا يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وذات مرة أهدتْه امرأة شمْلة (عباءة) فلبِسَها، فكانت جميلة عليه، فأُعجِب بها رجل، فقال: ما أجملها عليك يا رسول الله! اكسُنيها، فقال النبي: هي لك، وأعطاه إياها مع أنه بحاجة إليها، فلما انصرف النبي لام الصحابة الرجل على فعله، قالوا له: ما أحسنتَ في طلبك إياها، وأنت تعلم أن النبي لا يُسأل شيئا فيمنعه، فقال: رجوتُ بركتها حين لبِسها رسول الله، لعلي أُكفَّن فيها.

ــ كما كان الكرم من صفات الصحابة، حيث ربّاهم النبي على التنافس في الكرَم، فربط الكرم بالإيمان فقال: “مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم جارَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفَه جائزته، قال: وما جائزتُه يا رسول الله؟ قال: يوم وليلة، والضِّيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدَقة عليه”، وقال: “من كان له فَضلٌ من زاد فليَعُد به على مَن لا زاد له”، فكانوا يتسابقون إلى العطاء، فوصفهم ربنا بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ولما جاء ضيف إلى النبي ولم يكن في بيته شيء قال: مَنْ يُضِّيفُ ضيفنا اللَّيْلَةَ؟ فَقَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى بيتهِ، فَقَالَ لزوجته: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا طعام أولادي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَقَعَدُوا وتظاهرا هما بالأكل حتى شبع الضَّيْف، فَلَمَّا التقى الصحابي النبي بشّره بقوله: إن الله عَجِبَ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلة.

ــ والكرم يرزق العبد حب الله، وينشر المحبة بين الناس، وبه تصفو نفوسهم من الحقد والكراهية، ولعل كرم النبي مع صفوان بن أمية مثال لذلك، كان صفوان شديد الكراهية للنبي، وعقب فتح مكة هرب صفوان خوفا من رسول الله، لكن النبي أمّنه، ثم عرض عليه الإسلام فطلب شهرين للتفكير، فأمهله النبي أربعة شهور، وفي غضون ذلك غنم المسلمون من غزوة حنين، فوزع النبي الغنائم، فأعطى صفوان مائة من النَّعَم ثم زاده مائة ثم مائة، فقال صفوان: والله لقد أعطاني رسولُ الله ما أعطاني وإنَّه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنَّه لأحبُّ الناس إليَّ”، وفي الحديث «السَّخِىُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَلَجَاهِلٌ سَخِىٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ”، فكونوا كرماء يحبكم الله، فإن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.

زر الذهاب إلى الأعلى