الدين والحياة

القيم الإنسانية: قيمة المواطنة

كتب_أ. د:علاء الحمزاوي

المواطنة هي الانتماء للوطن، فيشعر الفــرد أن الوطن ملكه فيحافظ عليه، وأن يشعر بأنه جزء من المجتمع الذي يعيش فيه بما يجعله يندمج فيه ويتفاعل معه بشكل إيجابي، وأن يتمتّع بشكل متساوٍ مع بقية المواطنين بالحقوق والواجبات ولاسيما المساهمة في بناء الدولة والارتقاء بالمجتمع، فهل عرف الإسلام “المواطنة”؟ عرفها واقعا وتعايشا، فأقــرّ التعددية الجنسية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، وفي الحديث “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح”، وسوّى القرآن بين المواطنين في جزاء النفع والإضرار بالمجتمع، قال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، وظهرت المواطنة في بنود “الصحيفة المدنية”؛ حيث نصت على “حرية العقيدة” و”المساواة في الحقوق والواجبات” لمواطني المدينة مسلمين وغير مسلمين، فكانت الصحيفة هي القاعدة الأساسية لمبادئ المواطنة في الإسلام، وتعد تلك الصحيفة النبوية أول دستور مدني في التاريخ تمهيدا لبناء دولة إسلامية مدنية.

كما ظهرت المواطنة في مقولة النبي لمكة: “إنك لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، فهذه المقولة تؤكـد تمكين صفة المواطنة في النبي ومدى حبه لوطنه، ولذلك وعده الله بالعودة إلى مكة، فقال له: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ}، وظهرت المواطنة في حب النبي للمدينة، حيث دعا الله أن يرزقه حبها وأن يبارك في رزقها، فقال: “اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة”، وقال: “اللهم حَبِّبْ إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد”، وفيه إشارة إلى أن الحب والكره بيد الله، فاستجاب الله له، فبارك في رزقها، وغرس في قلبه حبها الشديد .

وأكــد القرآن على قيمة “مواطنة الدولة” في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}، فلم يذكر اسمه مع أنه العزيز، بل عرّفه بدولته، وهي مصر؛ ليرسّخ فينا قيمة “مواطنة الدولة”، كما رسّخ القرآن فينا قيمة “مواطنة الأرض” من خلال مقولة فرعون لموسى: {أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يا موسى}، وهذا يعني أن المواطنة غريزة فطرية في الإنسان، كما رسّخ الإسلام فينا قيمة “حسن المعاملة” مع شركاء الوطن، فقال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}.

وللمواطنة ثمــار كثيرة أهمها تحقيق السِّلْم الاجتماعي؛ إذ يؤدي إلى تحقيق الأمن والاستقرار المجتمعي فالتعمير والتقدم، وهو هدف إلهي منشود من العباد، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}، وقد تحققت صفات المواطنة في مصرنا الحبيبة، حيث وصفها القرآن بخمس صفات وطنية، فوصفها بأنها بلد الخير في قوله تعالى: {اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم}، ووصفها بأنها بلد الكرم في قوله تعالى: {وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه}، ووصفها بأنها بلد الملك في قول فرعون: {يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي}.

ووصفها بأنها بلد الأمن في قوله تعالى: {ادخلوا مصر إن شاء آمنين}، وفي هذه الصفة شاركت مصر البيت الحرام، فهو الحرم الآمن، و{مَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا}، والأمن نعمة عظيمة تمثل ثلث متاع الدنيا؛ لأن متاعها في ثلاث نعم: الصحة والأمن والطعام؛ ففي الحديث: “يا ابن آدم إذا أصبحت معافي في بدنك، آمنا في بيتك، عندك قوت يومك، فقد حيزت لك الدنيا”، والأمن صفة لأهل الجنة، فــ{هم في الغرفات آمنون}.

ووصفها بأنها بلد الاستقرار في قوله تعالى: {وأوحينا إلي موسي وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتا}، وأكّـد القرآن علي صفة الاستقرار في مصرنا، فعبر عنها بالأرض؛ لأنها رمز للاستقرار، وقد أوجبت هذه الصفة على الفراعنة محاربة الحق من أجلها، فقالوا عن موسى وأخيه: {إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما}، وأوصى النبي بالمصريين خيرا .

زر الذهاب إلى الأعلى