الدين والحياة

القيم الإنسانية: قيمة القوة

بقلم د. علاء حمزاوي

 القوة قيمة عظيمة مدحها الإسلام، فـ”المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”، وقال تعالى في موسى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين}، لذا حث القرآن المؤمنين على التحلي بالقوة أفرادا ومجتمعات، فقال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}، و{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ}، واستعاذ النبي من الجبن والقهر، فقال: “اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”، ودعا ربه أن يعـز الإسلام بأحد العمرين، فأعـزه بعمر بن الخطاب، فكان قويا يخشاه الشيطان، ولا يخشى في الحق لومة لائم، رأى رجلا متماوتا، فقال له: “لا تُمِت علينا ديننا أماتك الله”.
ــ فالقوة مطلوبة في المؤمن؛ لأنها تظهر عــزته وشجاعته، رأت عائشة رجلا ضعيفا ذليلا فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من العُبّاد، فقالت: “رحم الله عمر، كان سيد العُبّاد، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع”، فالتماوت مكروه حتى لو قُصِد منه التواضع؛ فالتواضع يزيد المرء رفعة، والضعف يزيد المرء مهانة؛ لذلك نهى النبي عن كثرة الصيام التي تنهك قوة الإنسان، فقد أتاه رجل ثم أتاه بعد سنة وقد تغيرت ملامحه، فلم يعرفه النبي، فقال: أنا فلان، قال النبي: فما غيّرك وقد كنت حسن الهيئة؟ فقال: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل، فقال النبي: ولِمَ عذّبت نفسك؟ صم شهر الصبر ويوما من كل شهر…”، فالقوة مطلوبة بشرط ألا تكون قــوة غاشمة ظالمة إنما قوة للحق والعدل، وفي الحديث إشارة إلى اسحباب الصيام في رجب بوصفه شهرا حراما، وصيامه بدعة إذا قصد تخصيصه دون غيره بالصيام.
ــ ومصدر القوة الإيمان الصادق، فهو يضفي على صاحبه قــوة، فيتكلم بثقة ويتصرف بثبات ويفكر بلا تردد، لذا قال النبي: “استعن بالله ولا تعجز”، ثم الاستغفار؛ قال نوح لقومه: {يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ}.
ــ وللقوة مظاهر أعلاها قوة اليقين في معية الله، فلا يرى المؤمن عونا ولا أملا ولا ملاذا إلا إلى الله في كل ما يصيبه، وهذا سبيل الصالحين يقولون: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا}.
ــ ثم قــوة العفو والتسامح، ولنا في النبي أسوة حسنة، ففي إحدى الغزوات استراح الجيش من القتال فناموا، ونام النبي تحت شجرة، فجاء أعرابي وأشهر سيفه في وجه النبي، وقال: يا محمد من يمنعك مني الآن؟ فقال النبي بقوة اليقين: الله يمنعني منك، فكرر الأعرابي السؤال، فأكد النبي الإجابة، فسقط السيف من يـد الأعرابي، فأخذه النبي، وقال: أنت يا أعرابي من يمنعك مني الآن؟ فقال: يا محمد كن خير آخذ، فقال النبي: أتسلم؟ قال: لا، ولكني أعـدك ألا أقاتلك، فتركه النبي، فعاد إلى قومه قائلا: لقد جئتكم من عند خير الناس، ثم أسلم هو وقومه.
ــ ومنها قوة ضبط النفس، ففي الحديث “ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”؛ لأن الغضب يقوده إلى تصرفات يندم عليها حيث لا ينفع الندم.
ــ ومنها قوة اتخاذ القــرار، فيجب أن يكون المؤمن صاحب قرار قوي نابع من فكره، ولا يكون تابعا لغيره إلا في الحق، فـذمّ الله التبعية العمياء، فقال تعالى: {مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}، وفي الحديث: لا تكونوا إمّعة، ولكن إن أحسن الناس فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا.
ــ أما قــوة الدولة فتبرز في القوة العسكرية والقوة العلمية والقوة الاقتصادية، وقد بينها النبي في قوله: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”، فهذه النعم الأمن والصحة والطعام هي مقومات القوة لأي أمة، فإذا امتلكت الأمة جيشا رادعا وعلما فائقا واقتصادا زاهرا فقد امتلكت القوة والعزة، وأبرزها القوة العسكرية؛ لأنها تحفظ للدولة أمنها الداخلي والخارجي، فتبقى الدولة في عزة ومهابة لأعدائها؛ لذا قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}، فالقوة هنا هي الرمي، وهو رمز للقوة العسكرية، والإرهاب التخويف وهو للردع والدفع، والعدو نوعان: عـدو معروف فيُحذَر، وعدو مجهول أخطر، وهو العدو الداخلي المتمثل في المنافقين والمفسدين والمنتفعين وأصحاب الفتن، قال الله عنهم: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، فهؤلاء أشد خطورة على الأمة من العدو الخارجي؛ لذا قال الله فيهم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ}، اللهم احفظ بلادنا

زر الذهاب إلى الأعلى