الدين والحياة

قــراءة في آيــــة الصيام

بقلم: أ.د علاء إسماعيل 

تحدث ربنا تعالى عن الصيام في خمس آيات من سورة البقرة، وقد شمل الحديث ثلاث مسائل:- الأولى: وجوب الصيام ورخصه، والثانية: فضائل رمضان، والثالثة: مــدة الصيام ومباحات رمضان، وقد بدأت الآيات بخطاب للمسلمين في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وقد وصفهم الله بالإيمان قبل أن يأمرهم بالصيام، وقد اعتاد ربنا تعالى في توجيه أوامره للمسلمين أن ينعتهم بالإيمان قبل أن يأمرهم بما شاء، كقوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، يا ترى لماذا؟ لحسن الاستهلال وإظهار العناية بما يقال، وتحفيزا لهم على السمع والطاعة، ولم يخاطب ربنا تعالى أمة غير الأمة الإسلامية بهذا الوصف، وفي ذلك ثناء ومدح للمسلمين وفضل من الله عليهم.ثم جاء الأمر بصيغة الخبر {كُتِب عليكم الصيامُ} أي وجب عليكم وفُرِض، ودلالة هذا أن الصيام فرضه الله على المسلمين قبل أن يُوجَدوا، فلا نقاش في وجوبه ومشروعيته، لكن ما الصيام؟ وما الفرق بينه وبين الصوم؟ توقف بعض العلماء عند لفظي (الصوم والصيام)، وأجهدوا أنفسهم للتفرقة بينهما اعتمادا على قاعدة “زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى”، فــ(صوم) ثلاثة أحرف و(صيام) أربعة أحرف، ولا دليل لغويا ولا اصطلاحيا على صواب كلامهم، ففي القرآن ورد لفظ (الصوم) مرة واحدة، وورد لفظ (الصيام) سبع مرات، وهما مصدران للفعل (صام)، وهما لغة بمعنى الإمساك المطلق، وفي الشرع بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، والدليل {كتب عليكم الصيام} وفي البخاري (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)، أما الصوم بمعنى الإمساك عن الكلام فقد أُسنِد لمريم في القرآن، ولذلك ورد في قراءةٍ {نذرت للرحمن صمتا}، وهو من صوم النذر الذي كان جائزا في شريعة اليهود، وقد رغب عنه الإسلام؛ لما فيه من التضييق وتعذيب النفس، واستعمال اللفظين في القرآن من باب الثراء اللغوي والتنوع في الخطاب، وينبغي أن نربط بين القرآن والحديث في التفسير والبيان، فكلاهما خطاب الشارع.

إذن الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة والكلام، غير أن الكلام نوعان: كلام طيب كالذكر وكلام خبيث كالغيبة والنميمة والكذب والفتنة، والإمساك المقصود هو الإمساك عن الكلام الخبيث؛ لأن صاحبه يأثم عليه، وإذا كان الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة مقيدا بتوقيت وهو النهار فإن الإمساك عن الكلام الخبيث مطلق، وإذا تحقق للمسلم الصيام بهذا الشكل صلح حالُه، وفي صلاحه صلاح للمجتمع؛ لأن المجتمع هو مجموع أفراده.

وكلمة (الصيام) بمعنى (الإمساك) تحمل دلالة التعمد والقصدية، وعليه فالمفطرات هي ما يتعمد المسلم فعلها، وأن ما لا يقصد المسلم فعله لا يفطره، فلو دخل شيء في فم الصائم ناسيا أو دون إرادته لا يفطره؛ لأن الله لا يكلّف نفسا إلا وسعها، وأن الله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وهذا مبدأ إلهي في كل شيء.وفلسفة الصيام تطهير المؤمن من الآثام؛ لأن الصوم يمنع الإنسان أن يتمتع بالملذات منفردا أو أمام الناس، فهو رقيب على نفسه، وهذه الرقابة الذاتية نحن بحاجة إليها في وظائفنا وأعمالنا وتصرفاتنا، وهي تأتي بوازع الخوف من الله، وقد عبر ربنا عن ذلك بقوله تعالى: {لعلكم تتقون}، أي لكي تخافوا الله، والمؤمن إذا صام لله فقد أظهر خوفه من الله، وهانت عليه الملذات؛ ولذا قال النبي : “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة (تكلفة الزواج) فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء”، أي وقاية تمنعه من ارتكاب الآثـام، ولأهمية تحقيق التقوى في الصيام بدأ الله بها الآيات وختمها بها، فقال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.

زر الذهاب إلى الأعلى