آراء حرة

القوة القاهرة!

بقلم اللواء أ.ح:محمد سمير 

ذات يوم خرج الجراح الشهير الدكتور “إيشان” على عجل كي يذهب إلى المطار للمشاركة في أحد المؤتمرات العلمية الدولية، والذي سيلقى تكريماً فيه نظير إنجازاته الفريدة في عالم الطب،وفجأة وبعد ساعة من الطيران أعُلن أن الطائرة أصابها عُطل بسبب صاعقة جوية وستهبط اضطراريًا في أقرب مطار.

وبعد الهبوط توجه إلى استعلامات المطار وقال: أنا طبيب عالمي وكل دقيقة من وقتي تساوي روح إنسان، وأنتم تريدون أن أبقى 14 ساعة بانتظار الطائرة التالية؟،أجابه الموظف المختص: يادكتور، إذا كنت على عجل يمكنك استئجار سيارة والذهاب بها، فرحلتك لا تبعد عن هنا سوى 3 ساعات بالسيارة.

وافق الدكتور  إيشان على مضض، وأخذ السيارة، وفجأة وبعد نصف ساعة من قيادته لها، تغير الجو وبدأ المطر يهطل بغزارة، وأصبح من العسير أن يرى أي شيء أمامه، ولكنه اضطر إلى استكمال رحلته، وبعد ساعتين أيقن أنه قد ضل طريقه وأحس بالجوع والتعب.

وهنا رأى أمامه بيتًا صغيرًا فتوقف عنده ودق الباب، فسمع صوتًا لإمرأة عجوز تقول: تفضل بالدخول فالباب مفتوح، ولما دخل طلب من العجوز المقعدة أن يستعمل الهاتف.. فضحكت وقالت: أي هاتف يا بني؟ ألا ترى أين أنت؟،هنا لا كهرباء ولا هواتف،ولكن تفضل واسترح وصب لنفسك فنجان من الشاي الساخن، وهناك طعام على الطاولة كل حتى تشبع وتسترد قوتك،وشكر إيشان المرأة، وجلس يأكل بينما كانت العجوز تصلي وتدعو.

وانتبه فجأة إلى طفل صغير نائم بلا حراك على سرير قرب العجوز، وهي تهزه بين كل صلاة وصلاة.

استمرت العجوز بالصلاة والدعاء طويلًا، فتوجه إيشان لها قائلاً: يا أماه.. والله لقد أخجلني كرمك ونبل أخلاقك وعسى الله ان يستجيب لكل دعواتك، فقالت له العجوز:يا ولدي.. أما أنت فابن سبيل أوصى بك الله، وأما دعواتي فقد أجابها الله سبحانه وتعالى كلها إلا واحدة.

قال لها إيشان: وماهي تلك الدعوة يا أماه؟ قالت العجوز: هذا الطفل الذي تراه هو حفيدي، وهو يتيم الأبوين، وقد أصابه مرض عضال عجز عنه كل الأطباء عندنا.. وقيل لي إن جراحًا واحدًا قادر على علاجه يقال له إيشان، ولكنه يعيش بعيداً عن هنا، وحالتي الصحية لا تسمح لي بأخذ الطفل إلى هناك، وأخشى أن يتوفاني الله فى الوقت المقدر لي، ويبقى هذا المسكين بلا حول ولا قوة في هذا المكان المنعزل، فدعوت الله أن يسهل أمري.

بكى الدكتور إيشان وقال: يا أماه.. إنّ دعاءك والله قد عطل الطائرات وضرب الصواعق وأمطر السماء كي يسوقني إليك سوقًاً.. والله لقد أيقنت أنه عز وجل يسبب الأسباب لعباده المؤمنين بالدعاء.

نعم أحبتى،أرجو أن ندرك أن الدعاء هو القوة القاهرة التي يحقق بها الله لعباده كل ما يتمنوه، طالما دعوا بخير، مصداقًا لقوله تعالى:”وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”.

ويُعَدّ الدعاء أساس العبادة، وروحها؛ لأن الداعي لا يتوجّه إلى ربّه بالدعاء إلّا لِعلمه اليقين بأنّ النّفع وجلب الخير وكشف الضّر بيد الله وحده، وهذا دليل على الإخلاص، والتوحيد؛ وهما من أفضل العبادات.

ولذلك يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ)، ويقول أيضًا: (ليسَ شيءٌ أَكْرَمَ علَى اللَّهِ منَ الدُّعاءِ)،  (إنَّ ربَّكم حَييٌّ كريمٌ يستَحي مِن عبدِهِ إذا رفعَ يدَيهِ إليهِ بدعوَةٍ أن يرُدَّهُما صِفرًا ليسَ فيهما شيءٌ).

والدعاء من أقوى الأساليب التي يمكن أن يستخدمها الإنسان ليدفعَ عن نفسه البلاء، والمكروه، ويستحضر به النَّفع؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: (لا يُغْنِي حَذَرٌ من قَدَرٍ، والدعاءُ ينفعُ مما نزل، ومما لم يَنْزِلْ، وإنَّ البلاءَ لَيَنْزِلُ، فيَتَلَقَّاه الدعاءُ، فيَعْتَلِجَانِ إلى يومِ القيامةِ). ويقول الله جل وعلا: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”.

زر الذهاب إلى الأعلى