آراء حرة

«جواب لجمال »

بقلم:نورالهدى ذكي

الحكاية جاءت على لسان الدكتور محمد بدران أثناء محاضرته لطلبته فى كلية الحقوق، ولا أعرف إذا كان الدكتور بدران حياً متعه الله بالصحة أم سبقنا إلى لقاء ربه، تخرج فى بداية الستينيات وكان من العشرة الأوائل على دفعته بتقدير جيد جداً، وأعتقد أن حلم والده الفلاح البسيط فى إلتحاق إبنه بسلك القضاء قد أصبح واقعاً، وتقدم لوظيفة معاون نيابة، وإجتاز كل الاختبارات بنجاح، ثم اسودت الدنيا فى عينه لأن طلبه رفض، لأنه ببساطة إبن فلاح، وعرف الأب بفطنته ما يداريه عليه إبنه، فقال له قوله الذى غير مجرى حياته: “ولا يهمك.. تعال نبعت جواب لجمال”، وبالفعل كتبوا الجواب، واشتكوا لجمال من الظلم، وعدم المساواة ووضعوا عليه طابع “البوستة”، وألقى به الدكتور بدران فى صندوق البريد وألقى معه أحلامه فى سلك القضاء، واعتبر أن الجواب نهاية مرحلة عليه أن ينساها، ويبحث عن وظيفة أخرى لا تستحى من أبناء الفلاحين، وكاد قلب الشاب الحديث التخرج أن يتوقف وهو يتسلم جواباً بالرد من رئاسة الجمهورية، وبتوقيع جمال عبدالناصر، يطلب منه مقابلة مساعد وزير العدل، وظل يقرأ الخطاب لوالده عشر مرات، وتغيرت حياة الأب والابن، ابن الفلاح.

أما والد محمد كمال الدين – خريج كلية الشريعة والقانون، والذى رفضه مجلس القضاء الأعلى ضمن ١٣٨ متقدماً لوظيفة معاون نيابة، لأن الأب والأم لم يكونا من الحاصلين على مؤهل عال – لم يقل لابنه: ولا يهمك، تعال نبعت جواب لجمال، أقصد للسيسى، ولم يقل له سوف نشتكى له من الظلم وعدم المساواة، وإنما نزل خبر استبعاد ابنه الوحيد عليه كالصاعقة وأصابته جلطة قاتلة سلمت روحه إلى خالقه، وطاف المستبعدون (الـ ١٣٨) من سلك القضاء أرجاء مصر حاملين أوراقهم التى تثبت أحقيتهم فى سلك القضاء، وحاملين دستور مصر الذى يجرم التمييز ويقر حقوق المواطنة، وحاملين مستندات تؤكد أن تحريات الأمن الوطنى لم تشر إلى أن لهم انتماءات تستدعى استبعادهم، وحاملين حزناً وغماً كبيرين على وطن مازال فيه من يفرق بين أبنائه، ويدوس على مبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص بالحذاء، وفيه من يعتقد أن مصر فيها أسياد يتوارثون السيادة على عبيدها بدعاوى زائفة مرة باسم مؤهل الوالدين، ومرة باسم الحالة المادية، وأن فيها الآلاف مثل عبدالحميد شتا، ابن العامل فى مصنع الطوب الذى استبعدته وزارة الخارجية من الالتحاق بها وانتحر بإلقاء نفسه فى النيل، أما هؤلاء الشباب، الـ ١٣٨، معاون نيابة، الذين يطرقون الآن كل الأبواب، فى معركة مع دولة التفرقة والتمييز والتوريث فلن ينتحروا، لأنهم ببساطة جاءوا بعد ثورة وبعد دستور يمنح الأمل فى دولة المواطنة والحقوق.

زر الذهاب إلى الأعلى