تقارير وتحقيقات

إمبراطورية “التسول” تجتاح المنيا.. مواعيد ثابتة ووجوه “مكرره” والحصيلة “ملايين” وعقارات

10صباحاً موعداً لتجمع المتسولين بـ”أبوعرب”.. والـ”كارو” وسيلة لتوزيعهم بالمناطق

“الحبشي” مخصص لتسول السيدات.. والأطفال على الكباري والمواقف بعد غلق “الكورنيش”

باحثة:رصدنا “أرصدة بنكية” وعمارات بـ”الجيزة” يمتلكها “ملوك الشحاته” بالمنيا.. وتسعيرة “إتاوة” لكل منطقة

خبراء علم النفس والإجتماع : الظاهرة تحولت لمهنة بفضل “شماعة” الحرمان والإحتياج

تحقيق: فاتن المصري – نورهان عمرو

“الإستعطاف أسهل وسيلة للتربح”، هذا ما إكتشفناه خلال مغامرتنا الصحفية للبحث عن أوكار المتسولين بالمنيا ، أطفالاً و كبار ونساء وعجزة، هؤلاء هم أفراد كتيبة “الشحاتين” المنتشره في أغلب مناطق المحافظة من أجل التربح وجمع الأموال عن طريق “تنظيمات عائلية” تتاجر بالأطفال والنساء يطلقون على أنفسهم لقب”السبوبة”، وهناك أيضا نوعاً آخر من المتسولين بدرجة مليارديرات سنكشفهم عبر سطور هذا التحقيق.

بائعات المناديل

“لله يا محسنين ، حسنه قليلة ربنا ما يوقعك في ضيقة ، هات جنيه جعانه”، كلمات أشبه بالمحفوظات، تتعرض لها أسماعنا قبل رؤية المتحدث نعلم أنه متسول، كانت بداية جولتنا الكشفية بشراء لفة من المناديل بـ 5 جنيهات ” كعدة للشغل” وتجولنا في الشارع نعرضها للبيع وبالفعل نجحنا في بيعها بسهوله ” الكيس بجنيه ” بإستخدام تلك العبارات وأخرى متشابهات، وبالفعل إنتهينا من بيع المناديل في ربع ساعة ، ثم إستكملنا جولتنا بالتسول علناً وبدأنا نغير العبارات فعلى سبيل المثال و(حياة ربنا إدينى جنيه، والله عاوزه أفطر ومش معايا فلوس، ربنا يخلي لك حبيبتك والنبى يارب ينولك اللي في بالك )، وكان الملاحظ أن أكثر من استجاب إلينا من “الحبيبة” والفتيات.

“ربع جنيه.. عيب”

ومن المواقف الطريفة التى تعرضنا لها، عندما طلبنا من عجوز جنيهاً لشراء شئ للإفطار، وعندما أدخل الرجل يده في جيبه أخرج لنا “جنيه وربع” وأعطي لي جنيه، وقال لزميلتي “عيب أديكي ربع جنيه تقاسموا الجنيه !” بينما رفض بعض المواطنين مساعدتنا وقاموا بسبنا ومنهم من قام بالصراخ فى وجهنا قائلا ” روحوا إشتغلوا بدل ما انتو بتشحتوا “!! .

“للمتسولات فقط”

وأثناء المغامرة، دخلنا مناطق الحبشي تقسيم شلبي بمدينة المنيا ، اكتشفنا أن عصابات التسول تختلف من حيث الجنس وأعمار المتسولين، فالأطفال ينتشرون بشكل أكبر في مناطق النادي الرياضي وشارع طه حسين ومنطقة شلبي والكباري بعد غلق الكورنيش، والسيدات اللائي لا يقل عمرهن عن 40 سنه تتواجدن في مناطق “الحبشي والإخصاص “متخذات الكبارى مكاناً مخصصا لهن فى التسول .

“وسائل النقل”

ورصد “تريند نيوز” وجود سيارة ربع نقل تأتي لنقل الأطفال والشباب المتسولون من أمام منطقة “أبوعرب” في العاشرة صباحاً إلي أماكن تجمعاتهم بشكل يومي وهي (شارع طه حسين – الإخصاص – مستشفي الجامعة – سكة تله – مسجد الفولي ) ثم تنقل السيدات إلي منطقة الحبشي، كما علمنا أن أطفال القرى يأتون للتسول في مدينة المنيا عبر الـ “كاروا” تحديداً من منطقة عزبة النخيل ومنطقة تسمى “الجمسة” بأبوقرقاص المشهورة بأنها أشهر بؤر الشحاتين بالمحافظة .

“شحات بدرجة مليونير”

يجوب الشوارع بملابسه المهرولة المتسخة، يطلب الصدقة من هذا وذاك، ويتخذ من العجز والإعاقة شعاراً له لإستعطاف من حوله، وعندما ينتهى يومه يذهب لأحد البنوك لتنشيط “حسابه البنكي” بإيداع جديد.

” محمود ” المقيم بإحدى الأحياء وسط مدينة المنيا يتجول من الصباح الباكر بالشوارع يطلب المساعدة راسماً على وجه تعبيرات يستطعف بها كل من حوله لتجعلهم يمنون عليه بجنيه أو إثنين ومنهم من يعطيه أكثر من ذلك إشفاقا بحالة العجز التى يظهر بها للناس.

وللمصادفة ذات يوم كنت فى أحد البنوك وشاهدته يجلس بين الحاضرين منتظرا دوره لإيداع مبلغ مالى حصيلة يومه ،لم تصدق عيني هذا المشهد ولكني وجدته يتحدث مع موظفي البنك كأحد العملاء المعتدين علي السحب،وأنها ليست المرة الأولى لدخوله البنك .

وقفت أشاهده من بعيد كأن القدر يخبئ مفاجئة لي حيث إكتشفت أن ” عم محمود ” الذي يظهر بملابس مهرولة متسخة وربما يأتي لبعض المكاتب الخاصة يطلب المساعدة ، أجده اليوم أحد عملاء البنوك الكبيرة فتسألت هل التسول مهنة تجعلك مليونيرا يوما ما ؟

محمود ليس الوحيد الذي يحصل علي لقب “ملك الصعاليك” ولكن هناك أيضا”كامل بيه المنياوي” من مركز بني مزار، لكنه يمارس نشاط التسول في محافظة بني سويف ،عندما تنظر إليه تجد أن الكهولة قد أكلت من عضده والملابس الرثة تخبئ جسده علاوة علي هيئته التي يستخدمها لإستعطاف الناس ، والحقيقة أن هذا المتسول يمتلك حساب بنكي في فروع أحد البنوك الكبري ويتخطي حسابه 3.5مليون جنيه علاوة علي إمتلاكه عمارتين سكنيتين بحي فيصل بالجيزة.

“أرصدة التسول البنكية”

وعلي ذلك تعلق الدكتورة إسراء أحمد باحثة جامعية أنه بالفعل يوجد العديد من المتسولين بمحافظة المنيا هم في حقيقة الأمر يمتلكون أرصدة بنكية وعقارات ،الذين يتكسبون من “الشحاته” بدون تعب ،قد بنوا عقارات سكنية وإمتلكوا أرصدة بنكية.

وتدلل الباحثة أنه ففي قرية “أبوجناح” بأبوقرقاص علي سبيل المثال هناك عائلتين كبار يقومان بتسريح أبنائهم للتسول ثم يمتلكون من هذه الإيرادات عمارات سكنية وأراضي زراعية ومواشي أيضا ، بالإضافة أن هناك عائلة كاملة مكونة من تسعة أفراد يسرحون أطفالهم بمنطقة النادي الرياضي بالمنيا للتسول وعندما قمت بالبحث والإستقصاء فوجئت بامتلاكهم عقارات سكنية.

وإستطردت إسراء أن هناك نوعين من التسول سواء “سبوبة” أو “إجبار” وجميعهما يستخدمان الأطفال ويكون عن طريق قيام الأهل بتسريحهم للتسول، ويكون عملهم من الساعة 10صباحا وحتي الثانية عشرة ليلاً بصفة يومية ، بشرط أن يحقق كل طفل الإيراد المتفق عليه ، مضيفة أنها تحدثت مع أحدهم قال أنه لم يستطع جمع إيراد الأمس المتفق عليه “30جنيه علي الأقل” فقام بإستكمال مهمته لليوم الثاني وعاد بـ60 جنيه، مضيفة أنها عندما تحدثت مع أمه أجابتني بأنها سيدة فقيرة ولا تستطيع العمل لذا فضلت أن يذهب أبنائها للتسول خوفاً من “المشي في الحرام” !.

وفجرت الباحثة مفاجأة أن هناك إتاوات تفرض علي كل منطقة وأي غريب يقوم بالتسول في منطقة غير منطقته يتم الإعتداء عليه وأخذ الأموال منه وضربه، وإذا لم يدفع الإتاوه يتعرض للضرب والتحرش، كما تعرضت إحدى الفتيات الصغيرات للخطف والإغتصاب بعد أن إختطفها بعض الشباب بسيارتهم من أمام الكورنيش وعندما عادت أنكرت وقالت “لا ..دول سيدات كانوا بيهزروا معايا!”

“أراء حول الظاهرة”

أكتفت الطالبة ”أ.م” بكلية آداب إعلام والتي تبلغ من العمر 21 عاما بوصفها لظاهرة التسول بالمرض الذي تعاني منه المجتمعات النامية التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية، مؤكدة رفضها اللجوء لمد اليدين لطلب الحاجة طالما يمتلك الشخص القدرة على السعي فلا قيمة للأعذار”.

وأيدت ”أية.ص” خريجة لغة عربية جامعة الأزهر، الرأي السابق، معللة أن المتسولين ليسوا ضحايا على الإطلاق، بل تحولت الظاهرة إلي مهنة فن وإقناع باستخدام الأطفال، مضيفة أن إنتشار هذه الظاهرة يرجع لعدة أسباب منها كثرة الإنجاب والإهمال الأسري بحجة “العيل بيجي برزقه”، وبالتالي لا تستطيع الأسر الإنفاق على أبنائها ويصبحوا غير قادرين علي تربيتهم، فيكون “التسول” بمثابة الطريق المختصر للتربح.

وعلى النقيض، ذكرت الطالبة ”سها. خ” طالبة بكلية تربية موسيقى تبلغ من العمر ٢١ عاما بالرغم من علمها بأن أغلبها مكيدة مدبرة لنهش أموال الماره والتربح بدون عناء إلا أنها تتعاطف مع تلك الروايات المصطنعة بدايتها ”أبي متوفي وأعول أسرتي” لربما كان بالفعل من ذوي الحاجة والحرمان دفعاه لمد يديه للغرباء، وتوضح فكرة المساعدة ليس تشجعياً له على التربح بسهولة فلا نأخذ العاطل بالباطل لعله في أمس الحاجة.

ويشير أساتذة علم النفس والإجتماع بجامعة المنيا، أن الاحتياج والحرمان أصبحا شماعة لنشوب ظاهرة التسول، ففي أغلب الأحيان يستعين المتسول بعبارات الإستجداء والتعاطف لمزاولة مهنتهم محاولين استعطاف المواطنين للفوز بما يسد حاجتهم إلي أن تحول الأمر إلي “مهنة وحرفة” بمرور الوقت.

كما أشارت إحدى الباحثات إلى أن ممارسة التسول في حد ذاته مرفوض مهما كانت دوافعه، فهناك جمعيات ومؤسسات إنسانية وخيرية مختصة بإعانة المحتاجين شرط الكف عن التربح بدون عناء من قوت المصريين حتي وإن كانت مسألة الحاجة كبيرة لإعالة أسرة.

زر الذهاب إلى الأعلى