آراء حرة

الإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها

بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

يقول العلامة حسين مؤنس حول الإشراف على الرسائل الجامعية ومناقشتها

نستشرف بداية ما ذكره العلامة الجليل والمؤرخ الدكتور حسين مؤنس (ت 1416هـ- 1996م)، حول هذه الألقاب التي يحصل عليها صاحب الأطروحة، من ناحية وقيمتها العلمية من ناحية أخرى ..

فيقول:

«ألقاب الماجستير والدكتوراه عندنا اليوم… أغطية وأقنعة نستر بها الجهل أحيانًا، ونكسب بها لقمة العيش في أكثر الأحيان .

والطالب لا يدقق فيما يقول؛ لأنه يعرف أن الكثيرين من الأساتذة لا يقرؤون لا هذا البحث ولا غيره .

ولقب دكتور يعطى كأنه صدقة أو حسنة لوجه الله، وقاعات الرسائل في مكتباتنا الجامعية تضم الألوف من تلك المجلدات الثمينة المجلة بالقماش الأسود، والله وحده يعلم ما فيها..

الجيل الذي تخرجنا عليه نحن وبقية العالم العربي لم يكن في رجاله إلا القليل ممن حلت عليهم بركة الدكتوراه، ربما لأنهم كانوا علماء حقًا، ولأنهم كانوا كذلك فلم يكونوا بحاجة إلى طيلسان الدكتورية لكي يؤكد مكانهم من العلم.

محمد شفيق غربال وعبد الحميد العبادي وأحمد أمين وأمين الخولي ومصطفى عامر وأحمد الشايب وعلي عبد الرازق وعبد الرحمن الرافعي ومعظم هذا الرعيل المبارك الذي ملأ طباق عالم العرب والإسلام علمًا ..

لم يحمل واحد منهم لقب دكتور.

ولكنهم جميعًا كانوا بحار علم ومعرفة، واحد منهم وهو عباس محمود العقاد كان جامعة كاملة، ولو شاء أي منهم أن يحمل عشرة طيالسة دكتوراه لحملها…

وأيام هذا الجيل الذي هو إلى أيامنا هذه عماد مجد مصر الفكري، كانت قاعة صغيرة في شارع صغير متفرع من شارع عبد العزيز يسمى شارع الكرداسي أو حارة الهدارة تضم من العلم قدر ما تضمه جامعاتنا اليوم جميعًا، تلك هي قاعة لجنة التأليف والترجمة والنشر .

ولقد رأيت فيها ذات خميس كل من ذكرت مضافًا إليهم محمد كرد على عالم الشام في عصره وحسن حسني عبد الوهاب عالم تونس وعبد العزيز الميمني عالم الهند وعباس محمود العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني وكامل كيلاني ومحمد لطفي جمعة ومحمود تيمور ومحمد فريد وجدي ومحمد فريد أبو حديد ومصطفى عبد الرازق، ومحمد عوض محمد، وأحمد زكي باشا شيخ العروبة، وكان شباب العلماء في ذلك الحين…

ومن بينهم زكي نجيب محمود وإبراهيم حلمي عبد الرحمن وعبد الرحمن بدوي ومحمد عبد الهادي أبو ريدة ومحمد مندور وشوقي ضيف وإبراهيم بيومي مدكور وغيرهم كثيرون ..

يجلسون في نفس القاعة ويتلقون من الرعيل القائد راية العلم ليسيروا بها إلى الأمام، وكل رجال هذا الجيل الثاني دكاترة بالفعل .

ولكن الدكتوراه كانت أقل أدواتهم وأيسر ما يذكرونه من عدة لحمل الأمانة لأنهم حتى من دون لقب دكتور كانوا سيصلون إلى ما وصلوا إليه ويزيدون.

ثم يتساءل الدكتور مؤنس في صرخة عالم باحث:

«ماذا أصاب الدكتوراه في هذه الأيام وأقصد أيامنا هذه ؟

إذا أنت حضرت المناقشات عجبت!

فإن أصحاب الذمة من الأساتذة المناقشين الذين يقرؤون الرسالة ويستعدون لمناقشتها حقًا يظلون يكشفون عيوب الرسالة ومواضع الخطأ فيها حتى نقول : انتهى الولد يا ولد!.

ثم تجتمع اللجنة للتداول، ثم تعود لتعلن منح الطالب درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى، ولا يمكن إلا أن تكون مرتبة شرف أولى.

وتظل واجمًا مكانك لأنك لا تفهم، فإما أن الذي سمعته من كلام الشيوخ ونقدهم حق، إذن فهذا الطالب لا يستحق الثانوية العامة .

وإما أنها كلها مسرحية مرتبة محبوكة يتأزم فيها الموقف حتى تظن أن البطل قد ضاع ثم فجأة تنحل العقدة وتصفو السماء ويتزوج البطل البطلة وفي هذه الحالة تكون تلاوة قرار اللجنة صورة مبتكرة لأغنيتنا التقليدية اتمخطري يا حلوة يا زينة.

ثم يتناول الدكتور حسين مؤنس مسألة في غاية الخطورة إلا وهي الإشراف على الرسائل العلمية فيقول :

«قرأت في طلب تقدم به استاذ للعمل في قسم التاريخ في جامعة عربية، وكنت رئيس هذا القسم، فإذا بصاحبنا يقول إنه أشرف إلى الآن على 75 رسالة للماجستير والدكتوراه ..

فاستبعدت الطلب في الحال، لأن هذا الاستاذ لا يخلو أن يكون أحد رجلين:

إما أنه صادق فيما يقول أي أنه أشرف فعلاً على هذا العدد الهائل من الرسائل، وفي هذه الحالة لا يكون وقته قد اتسع للاطلاع على كتاب واحد أو تأليف كتاب واحد، وفقد الحق في الاستاذية من زمن طويل نتيجة لعدم الاطلاع على كتب جديدة ..

وإما أن يكون كاذبًا :

وهو في هذه الحالة لا يحق له أن ينتسب إلى الجامعة ولا سلك الفراشين والخدمة السايرة.

زر الذهاب إلى الأعلى