الدين والحياة

حكم تمنى الموت خشية الفتنة فى الدِّين

بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

تمني الموت خشية الفتنة في الدِّين

الأصل هو عدم تمني الموت :
حيث إن الحياة الدنيا هي دار التكليف التي يتزود منها العبد إلى الآخرة ويستغفر لما وقع منه .

وقد قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (16/ 187):

«فَالْمُؤْمِنُ دَائِمًا فِي نِعْمَةٍ مِنْ رَبِّهِ تَقْتَضِي شُكْرًا وَفِي ذَنْبٍ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِغْفَارٍ».اهـ.

ولذلك جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ:

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

«لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ : إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ».

[رواه البخاري (5673)].

وفي حديث أَنَسٍ:

«لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ:

اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي».

[رواه البخاري (5671)، ومسلم (2680)].

ويُستثنى من ذلك :

مَن خاف على نفسه الفتنة في الدِّين ؛ كما قالت مريم – عليه السلام -:

{يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم: 23].

وقد بوب القرطبي بابًا في «التذكرة» (ص: 117) فقال:

(باب جواز تمني الموت والدعاء به خوف ذهاب الدين) ثم علق على فعل مريم – عليها السلام – بقوله :

«وأما مريم – عليها السلام – فإنما تمنت الموت لوجهين :

أحدهما :

أنها خافت أن يظن بها السوء في دينها وتعير، فيفتنها ذلك.

الثاني :

لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والزور، والنسبة إلى الزنا، وذلك مهلك لهم …».اهـ.

وقال النووي في «شرح مسلم» (17/ 7) تعليقًا على حديث أنس :

«فِيهِ التَّصْرِيحُ بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضررًا فى دينه أوفتنة فِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ».اهـ.

وقال الحافظ في «الفتح» (10/ 128):

«وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ

«اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»

لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدْرِ الْمَحْتُومِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ».اهـ.

وهذا التمني كائن لا محالة

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:

«لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ».

[رواه البخاري (7115)، ومسلم (157)].

قَالَ ابن بَطَّالٍ:

«تَغْبِيطُ أَهْلِ الْقُبُورِ وَتَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ إِنَّمَا هُوَ خَوْفُ ذَهَابِ الدِّينِ بِغَلَبَةِ الْبَاطِلِ وَأَهْلِهِ وَظُهُورِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرِ».

[«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (10/58)].

فاللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن!

زر الذهاب إلى الأعلى