الدين والحياة

ظاهرة الاغتصاب الزوجي

بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

مصطلح الاغتصاب الزوجي هو مصطلح دخيل على المسلمين ولا يتصور وجوده بين زوجين في علاقة زوجية شرعية وإنما يصح إطلاقه على جريمة الزنى بإجبار المزني بها على الجماع خارج إطار الزواج .

لأن عقد النكاح الشرعي جعل الجماع حقا مشتركا للزوجين وبموجبه يجب على كل طرف أن يحصن الطرف الآخر ويشبع غريزته الجنسية في إطار الزواج .

قال ابن قدامة:

ولأن النكاح شرع لمصلحة الزوجين ودفع الضرر عنهما وهو يفضي إلى دفع ضرر الشهوة عن المرأة كإفضائه إلى ذلك عن الرجل فيجب تعليله بذلك ويكون النكاح حقا لهما جميعا ولأنه لو لم يكن لها فيه حق لما وجب استئذانها في العزل كالأمة.

(المغني ٧/٣٠٤).

وهذا خلاف نظرية (حرية الجنس) التي تقوم على أساس التراضي بين الطرفين ولو كان ذلك خارج إطار الزواج ولا عقوبة على من فعل ذلك بالتراضي وهذه النظرية تجعل الدولة والأفراد لا حق لهم في الإنكار على فاعليه أو عقوبتهم!!!

وهذا مخالف للشريعة.

ولتوضيح مسألتنا نوجز ذلك في النقاط الآتية :

١- الاغتصاب مأخوذ من الغصب وهو أخذ الشئ ظلما وغصبه على الشئ: قهره وغصبه منه.

انظر: لسان العرب لابن منظور ١/٦٤٨ .

ومن هنا قيل:

غصب الرجل المرأة نفسها يعني ذلك: إذا زنى بها كرها.

انظر: المصباح المنير للفيومي ٢/٤٤٨

وورد اللفظ في القرآن الكريم بمعنى:

أخذ الشئ ظلما وبغير حق في قوله تعالى:( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)( الكهف ٧٩).

فالاغتصاب في اللغة هو إكراه المرأة على الجماع بأى وسيلة من الوسائل خارج إطار الزواج الشرعي وليس في اللغة ما يدل على ما يسمى بالاغتصاب الزوجي .

وهذا ما قرره أيضا فقهاؤنا القدامى في كتبهم الفقهية فقد جاء في المدونة الكبرى ٤/٥٠٩ :

أرأيت لو أن رجلا غصب امرأة أو زنى بصبية مثلها يجامع أو زنى بمجنونة أو أتى نائمة أيكون عليه الحد والصداق جميعا في قول مالك؟ قال مالك: إن الحد والصداق يجتمعان على الرجل فأرى المجنونة التي لا تعقل والنائمة بمنزلة المغتصبة .

وقال الشافعي الأم ٣/٢٦٤ :

في الرجل يستكره المرأة أو الأمة يصيبها أن لكل واحدة منهما صداق مثلها ولا حد على واحدة منهما ولا عقوبة وعلى المستكره حد الرجم إن كان ثيبا والجلد والنفى إن كان بكرا.

٢- لا يجوز للمرأة أن تمتنع عن جماع زوجها ( أو العكس) إلا لعذر شرعي فقد ثبتت السنة بتحريم رفض الزوجة جماع زوجها لغير عذر:
قال رسول الله: إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح.

رواه البخاري ومسلم.

وقال :

والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها .

رواه البخاري ومسلم.

وقال:

إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور .

رواه أحمد (١٦٣٣١) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٤٦).

وقال:

اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما:

عبد أبق من مواليه حتى يرجع وامرأة عصت زوجها حتى ترجع.

رواه الطبراني بسند جيد وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (١٩٤٨).

والملاحظ أن الأحاديث ركزت على المرأة وعقوبتها لأن الرجل أكثر طلبا للجماع من المرأة ولا يطيق الصبر على ذلك بخلاف المرأة ولأن المرأة لو طلبت الجماع من الرجل فالأغلب الأعم يستجيب الرجل بلا تفكير بخلاف المرأة.
٣- ذهب جمهور العلماء إلى أن طاعة الزوجة لزوجها واجبة في كل مباح .

انظر: النهر الفائق لابن نجيم ٢/٢٤٤ ورد المحتار لابن عابدين ٦/٧٥٦ وتفسير القرطبي ٥/١٦٩ والمبدع لابن مفلح ٦/٢٤٤ وبحر المذهب للروياني ٩/٥٦٤ .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن وجوب الطاعة على الزوجة مقيد بأمور النكاح وتوابعه كالاستمتاع والقرار في البيت وعدم الصيام تطوعا وهو حاضر إلا بإذنه وألا تأذن لأحد أن يدخل بيته إلا بموافقته وعلى ذلك الأدلة الصحيحة ويندب لها طاعته في الأمور المباحة الأخرى.

انظر: ابن حزم في المحلى ٩/٢٢٧ وابن حجر في فتح الباري ٩/٣٠٣ وابن نجيم في البحر الرائق ٥/٧٧ .

والملاحظ إجماعهم على وجوب طاعة الزوجة لزوجها في النكاح.

والراجح قول الجمهور لقوله تعالى:

( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)
النساء ٣٤

ولحديث :

سئل رسول الله عن خير النساء فقال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره.

رواه النسائي (٣٢٣١) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه الألباني في الصحيحة (١٨٣٨).

٤- رغم قولنا بوجوب طاعة الزوجة لزوجها إذا طلبها للجماع ( والعكس صحيح) للأدلة التي ذكرناها فإنه ينبغي التلطف في طلب هذا الأمر والرفق واللين والتمهيد الجيد للأمر فلا ينبغي ولا يحسن أن يؤخذ هذا الأمر قسرا وإجبارا للأسباب الآتية:

أ- أمرنا رسول الله بمعاشرتهن بالمعروف فقال:(وعاشروهن بالمعروف)

النساء ١٩

قال ابن كثير :

أى: طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحبون ذلك منهن.

تفسير ابن كثير ٢/٢١٢ .

فالأصل أن المعاملة الطيبة الرقيقة في التعاملات اليومية هى أول تمهيد للسعادة في العلاقة الخاصة بالإضافة إلى مقدمات الجماع الضرورية.

ب- الجماع عبادة مشتركة بين الزوجين يشتركان في ثوابها ولا يتصور أن يقوم بها طرف والطرف الآخر رافض لسبب من الأسباب قد يكون بسبب سوء المعاملة أو عدم النظافة أو الرائحة غير الطيبة أو لسوء الحالة النفسية أو التعب والإرهاق ونحو ذلك من الأعذار المقبولة .

فهنا ينبغي إزالة الأسباب وأن نتحلى بالملاطفة واللين لينال الزوجان ثواب الجماع والاستمتاع بنية طيبة .

فقد قال رسول الله:

وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر .

رواه مسلم (١٠٠٦).

ج- لنا في رسول الله أسوة حسنة فإنه لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنة الجون (أميمة بنت النعمان بن شراحيل وقيل: أسماء) ودنا منها قالت : أعوذ بالله منك .

فقال : لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك أى: طلقها .

رواه البخاري(٥٢٥٤).

فلم يجبرها رسول الله على الجماع وهى زوجته ويجب عليها طاعته في ذلك ولكنه لما وجدها نافرة منه كبرا منها طلقها.

د – من حكمة الشريعة أنها حرمت جماع الزوجة من الدبر فقال رسول الله: لا تأتوا النساء في أدبارهن.

رواه الشافعي في مسنده (٢/٢٦٠) وصحح الألباني سنده في آداب الزفاف ص١٠٤.

وقال :

ملعون من يأتي النساء في محاشهن ( أدبارهن) .

رواه ابن عدى (١/٢١١) وحسنه الألباني في آداب الزفاف ص١٠٥.

ألا ترى أن إتيان النساء في الدبر خلاف الفطرة وأن هذا الفعل كذلك فيه إيذاء للمرأة جسديا كما ثبت في الطب.

فقياسا على ذلك فإن الإسلام الذي حرم إيذاء المرأة جسديا لا يقبل إيذاء المرأة نفسيا بإجبارها على الجماع قبل معرفة أسباب ذلك الامتناع منها ولابد من إزالة تلك الأسباب لأن الجماع علاقة مشتركة لا تصح من طرف واحد فقط فلابد من تبادل المتعة بين الطرفين.

٥- يحرم على أى من الزوجين نشر ما حدث بينهما أثناء الجماع في مواقع التواصل الاجتماعي أو الحديث عنه مع الأهل والأصحاب لغرض التشهير أو التسلية والمزاح .

فقد قال رسول الله:

إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته (يجامعها) وتفضي إليه (تجامعه) ثم ينشر سرها.

رواه مسلم (١٤٢٧).

بل وصف رسول الله من يفعل ذلك بأنه:

شيطان لقى شيطانة فقضى حاجته منها والناس ينظرون .

رواه أحمد وأبوداود (١/٣٣٩) وابن السني (٦٠٩) وصححه الألباني في آداب الزفاف ص١٤٤.

ولا تذكر تلك الأسرار الزوجية إلا لغرض شرعي أو أمام القاضي للفصل في المنازعات.

٦- لا ينبغي أن يدخل القانون في تلك المسائل الحساسة والدقيقة لأنه بذلك يزيد المشكلة ويشعلها بين الزوجين أضف إلى ذلك أنه سيفتح الباب للتشهير والادعاءات الكاذبة والانتقام وستقابله مشكلة كيفية إثبات الجماع بالإكراه هل سيثبت ذلك بالشهود أو بالتصوير وكلاهما مستحيل ومحرم.

وهل سيأخذ القاضي بادعاء الزوجة أو الزوج ويحكم بناء على ذلك الادعاء بلا دليل أو بينة؟

فالزوجة المتضررة أعطتها الشريعة الحق في الطلاق للضرر أو طلب الخلع.

أما أن ينظم القانون ما يفعله الزوجان على السرير أو يشرع عقوبة في هذا الأمر فذلك أمر لم يرد لا في قرآن ولا سنة ولا قاله أحد من السلف ولا أئمة المسلمين مع عموم البلوى به في كل الأعصار.

فاتبعوا ولا تبتدعوا يرحمكم الله.

زر الذهاب إلى الأعلى