الدين والحياة

إنهيار الأخلاق

بقلم فضيلة الشيخ أحمد على تركى

يجدر بنا أن نتذكر صدق نبؤة رسولنا.. القائل :

كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُول:

« قَبْلَ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ ، يُصَدَّقُ فِيهِنَّ الكَاذِبُ ، وَيُكَذَّبُ فِيهِنَّ الصَّادِقُ ، وَيَخُونُ فِيهِنَّ الأَمِينُ ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ ، وَيَنْطِقُ فِيهِنَّ الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ : وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ : المَرْؤُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ .

السلسلة الصحيحة.

وقد ظهَرُت لنا تلك الأيام ، وما فيها مِن قلْبٍ وتزييفٍ للحقائقِ، حتَّى فيما يَجِبُ على الإنسانِ ألَّا ينخَدِعَ فيه .

كذلك أشار ﷺ لتَبدُّلِ الأحوالِ وانقِلابِها ، ومِن خِداعِ الدُّنيا ؛ حيث يَنتشِرُ الكذِبُ والخيانةُ ويُعتبَرانِ هما الحقيقةَ.

ويَنحصِرُ الصِّدقُ والأمانةُ فيُعتبَرانِ ترَفًا، أو يُكذَّبُ مَن قال الصِّدقَ ويُخوَّنُ مَن أدَّى الأمانةَ؛ لأنَّهما أصبَحا نَشازًا في جسَدٍ مَريضٍ، لايَستطيبُ الطَّيِّبَ، بل يَقبَلُ الخبيثَ ويَستسيغُه.

ويَدخُلُ في تَضْييعِ الأمانةِ :

ما كان في مَعناها ممَّالا يَجري على طَريقِ الحقِّ؛ كاتِّخاذِ الجُهَّالِ عُلماءَ عِندَ غِيابِ أهلِ العِلمِ الحقِّ .

وأخبر نبينا ﷺ عن سيادة الرُّويبِضةُ في آخر الزمان ، وهو الرَّجلُ التَّافهُ الرَّذيلُ والحَقيرُ .

والرُّويبضة : تَصْغِيرُ رابِضةٍ ، وهُو العاجِزُ الَّذي ربَضَ عَن مَعالي الأُمورِ .

ولعل الخطير في وقتنا هذا ما أشار إليه د. محمد زين العابدين بقوله :

إن التافهين لا يُدركون أن الحضارة الرومانية حين انهارت كان لديها أعظم أبنائها من الفلاسفة والأُدباء والعلماء وذوي العقول، ومع ذلك انهارت تمامًا حتى زالت من الوجود!

روما عندما انهارت لم تنهار بسبب محدودية ذكائها العلمي أو تخلفها الاقتصادي أو تأخرها العسكري ..

إنما انهارت بسبب انهيار “أخلاقها”.

يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون:

“ونحن إذا ما بحثنا في الأسباب التي أدت بالتتابع إلى انهيار الأمم ، وهي التي حفظ التاريخ لنا خبرها كالفرس والرومان وغيرهم، وجدنا أن العامل الأساسي في سقوطها هو تغيّر مزاجها النفسي تغيراً نشأ عن انحطاط أخلاقها.

ولست أرى أمة واحدة زالت بفعل انحطاط ذكائها، ووجه الانحلال واحد في جميع الحضارات الغابرة، وهو من التشابه ما يسأل به أحد الشعراء عن كون التاريخ صفحة واحدة وإن اشتمل على عدة مجلدات”!

وعليه :

ليست هناك دولةٌ – كائنةً ما كانت حضارتها وكائنًا ما كان تقدُمها – مستعصيةً على الزوال ما دامت قد انحطت “أخلاقها”!

والحضارة الإسلامية حين خرجت للنور، كانت “الأخلاق” هي أول لبنة في بنائها، لا العلم ولا الاقتصاد ولا القوة بموازين العصر الذي ظهرت فيه على غيرها من الحضارات والأُمم.

نعم ، العلم مهم، والقوة مهمة، في تقدم الأُمم ونهوض الدول.

لكن “الأخلاق” هي الفاعل الأول والأهم، لئلا تنحرف البوصلة، موينقلب العلم وتصير القوة سببًا للارتكاس والانهيار…

وهذا مصداق قول ربنا :

{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}

هي سنن الله في أرضه ، فكيف وقد ضيعنا العلم الحقيقي ، وانشغلنا بتوافه الأمور ، وعلا فينا السفيه ، وتكلم الرويبضة ، ناهيك عن أخلاقنا التي حتي لم تعد ترقي لأخلاق الجاهلية ..

نعم نحن على طريق الانهيار فالاندثار ما لم نلفظ هذا الخبث .

وقد قال الشاعر :

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت

فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

زر الذهاب إلى الأعلى