آراء حرة

شعيب خلف يكتب .. حين ينسج الميتون ملابسهم من الرمل، يخافون الخروج للريح

بقلم الدكتور / شعيب خلف

الجلد يابس تمامًا، وبيرق العطش مرفوع علي وجه اليم الذي يفيض في الصحاري السمراء، وهذا موكب الصخر فرح بالظهور علي الشفاه المقددة، متاح لــ “سيزيف” الآن أن يحمل ما شاء، دون الذهاب للمحاجر شرق النيل، فالمقابر هناك مزدحمة بالمارين، كثير من الجالسين يريدون حجزًا لرحلات “السفاري” الحافية، هذي المسافرة لفوق، لا تبتئس يا صديق، اصعد وقف علي القمة، وأنا سأحمل لك ما تشاء من حقائب الشقاء، أما حقائب التمرد التي تركتها في بطن الوادي، فقد سرقها رجال الإله وقدموها هدية لبيت مال الخديعة، دون أن يدرك الحمار أسفاره القيمة، ميراث ظهره الثقيل، المهم كن متأكدًا أن هذا المساء مناسب تمامًا للخروج، دون حاجة لعبارات ” كامي” هذي الجاهزة عن الأعمال العظيمة التي تبدأ بدايات سخيفة، مسكين يا “كامي ” أصدقاؤك يعشقون الحديث في غيابك، توقفوا إذًا يا سادتي عن الحكم عليه، فأنتم لا تعرفون الاسم، ولا القصة، ولا الظروف، حكمكم باطل لا محالة، انشغلوا بأنفسكم وأنتم جلوس فوق حصر المقاهي .

بروتوكولات التعاون بين الصواعق والسماء لا تعمل منذ زمن بعيد، لذا فشتاء هذا العام آمن تمامًا، فقط القبور تتثائب من لحظة لآخري، تبتلع الذباب الأخضر ممن يحرس الأرواح، فيموت البرابرة في جلودهم دون عظة، ويحترق الكبرياء الموروث في وجوههم دون رائحة، ورمل الفقراء سائب في الطرق حبة ..حبة، يتحرك مع النعال، ويطيع الريح متى غضبت، يطير ليسكن العيون، لكنه لا يستر العورات، فالريح تحتفظ لنفسها بجماليات التعري، ولا يترك ليصنع كثبانًا، ولا يتراكم ليبني الجبال، حين ينسج الميتون منه ملابسهم، يخافون الظهور في وجه الريح، فتدخل عليهم عنوة من فتحات النوافذ المهشمة، ومن شقوق الحوائط القديمة، كالموت تمامًا، فلتتركوا لهم كآباتهم، تصاحب الدودة في الحجر، تختزن طعام الشتاء القريب، واتركوا لهم عتمتهم في الصباح كي تستر العورات في لحظات الجنون والهذيان، واتركوا لهم أيديهم الملتصقة في سقف الكفن ليداروا سوءاتهم من قُبلٍ ودبرٍ،وامنحوني رسم الوجوه بدقة لأحتفظ بهودج الرمل والحصى قبل تزفيت الشوارع .وأرفع الشوارب من الجانبين ليبقَ الأنف متوحشًا كالحجارة، وأجبر كسر العيون، لتؤدي المرايا دورها من فوق أسطح البيوت، دون أن ينفرد اللصوص وحدهم بتسلق الريح، قرع الطبول يهز السموات، والقرع العسلي يملأ خطوط الأثير وشاشات العرض الميداني بالزبد الذي لا يذهب من جدار المثانة، ولا يسقط في الحوض، فيصرخ الكلي من ثقل الحجارة التي تدخل عليه عنوة دون إذن، ويغادر النبض مخيم السجن، وتذهب الأمانة لصاحبها قبل أن يوصي الميت الحي عن فنون الطبخ دون مرق أو خضار، وعن هوية الجثة الواحدة التي تنقسم إلي ألاف دون تسمية، أو نسب لجدي الذي لا يغادر سرادق العزاء، صار الجسد أوهن من منديل ورقي، يغص من رشفة الماء حين تلامس أديم الأرض المسروقة، نارًا علي سرير الهوس من ذل الأسئلة، بيدين مشتعلة، وقلب خافق، ونبض أزرق، يعدو من نار لنار يشم دخانها الأعمى، فيتناثر في الفضاء كحبر الألم، يتكور في حقيبة صدئة، تنزل النهر فتعلق في شباك الصيادين فردة حذاء واحدة، فردتا الحذاء: واحدة في الحقيبة الصدئة، والثانية في شباك الصيادين، ودمعه البكر في قرب الساقين، بالصدفة يموت، دون أن يكون في حسابه الموت.

زر الذهاب إلى الأعلى