أخبار عاجلة

‏( التناص المسرحي مع أسطورة كلكامش ) مسرحية اطفال الغابة مثالا

كتبت : ساهرة رشيد

قال ا.د. عقيل مهدي يوسف :
اختارالكاتب ( جاسم محمد صالح ) عنوان الكتاب : (( مرجعيات الاسطورة في ادب الأطفال)) وهو دراسات في مسرحية ( أطفال الغابة ) حيث ضم الكتاب منظورات ‏تخص ‏وجهات نظر المؤلف الذي يتعامل مع أسطورة كلكامش بجعل بطلها مدافعا عن الأطفال بما يمثلونه ‏من الخير ضد الشر. المتمثلين ‏بساحر ‏شيطاني ‏ومعه انكيدو .
‏ناقش د.محمد عمر أيوب جماليات المخيلة والتعبير في البناء الأسطوري ومرجعياته في المسرحية الموسومة ‏( أطفال الغابة ) التي الفها الكاتب المسرحي جاسم محمد صالح ، ليرسم فيها تجليات البعد الأسطوري وانعكاساته على الذات في رسالته الإنسانية والوطنية الخاصة بكيفية بناء الإنسان ، اذ يتناول الكاتب جاسم محمد صالح رسم سمات البطل على وفق متطلبات التقنيات الخاصة بأدب ومسرح الأطفال بعد دراسته النص الأسطوري في موازنة ما بين الإبداع و الاصل وكذلك يتحدث عن تجربته الخاصة بالكتابة عن المتطلبات الفنية لمسرحية الأطفال ، حيث يجد في الموروث الاسطوري تجليات معرفية تغني تجربة مسرح الطفل لا سيما ما يخص سيرة كلكامش وانتقاله من غابة اوروك ‏الى غابة الطفولة ، ومجملها ‏ينصب على صفات البطل في لغته وأفعاله وتعبيره وحبه للخير ثم يؤكد على الصلات الدرامية ما بين معسكر الجهل والظلام ومعسكر الخير والنور والمعرفة.
ويبسط لنا معاناته وهو يتعامل مع ابطاله ، فيجد أن بعض الحيوانات تحتج على المؤلف لأنه لم يكتب عنها ثم يقرن الأسطورة والتراث منذ ما قبل الاسلام الى ما بعده في نصوص مسرحية مثل :
( يا طالع الشجرة ) التي كتبها “توفيق الحكيم”، وهو يرى أن الأسطورة قد تحولت إلى مادة صالحة للعمل المسرحي بشرط ابتعادها عن مشاهد العنف والقتل والدمار حيث يتسلح المسرحي بفهم دقيق لحاجة المجتمع لكي يؤكد قيم أخلاقية مسؤولة وهو يقارب بناء الحكاية في شخصية كلكامش ، حيث يتابع هذا البطل في مغامراته وترحاله.
في القسم الثاني من الكتاب نجد ان مباحثه تخص كيفية التلقي الفني والنقدي من منظور كُتاب وكاتبات عرب و جزائريين وكلها تدور حول تحليل مسرحية ( أطفال الغابة)، التي يشرع فيها المخرج ” عبد الله جدعان ” في مقالته عن المسرحية التي يصنفها بانها تخاطب اطفالا باعمار ما بين سن الثامنة والعاشرة .
وتتابع الدكتورة ” أمل الغزالي ” تناصات المسرحية هذه التي تكشف عن شخصيات تاريخية واقعية واخرى اسطورية خيالية الخاصة بتمجيد بطولات الملك كلكامش بمقاربة طروحات “باختين الحوارية “.
وتتخذ الدكتورة “عقيلة مراجي ” انموذجا أيضا يخص مسرحية (اطفال الغابة ) لتوصيف المسرحية في خصائصها الفنية والأدبية.
في الوقت ذاته تجد ان هذه المسرحية تنم عن قدرة الكاتب على إستخلاص البعد الجمالي من النص الإسطوري الغرائبي والعجائبي.
وتضيف الدكتورة الجزائرية ” عقيلة مراجي” في مبحث آخر لتشيد بحضارة وادي الرافدين معتبرة إياها في مصاف الحضارات العالمية الكبرى.
فالمسرحية تؤكد على جدلية الصراع بين الخير والشر وعلاقتها بالوطن .
ثم تحدد دكتورة “متلف اسيا ” الجزائرية آليات الصراع الدرامي وتجدها متجلية ، ببساطة تركيب مسرحية ( أطفال الغابة )، وسهولة لغتها ودقة أسلوبها التي راعى فيها المؤلف المبدع (جاسم محمد صالح ) ، قاموس الطفل اللغوي ودلالة البناء الدرامي والرمزي ببراعة مدهشة . هادفاً الى تصوير رؤية الإنسان عن الحياة والموت في الفن المسرحي الموجه للطفل .
من جانب آخر ترى الدكتورة “آمال بن صغير” – من الجزائر
ان المسرحية الجادة تستمد من الموروث الأسطوري الأفعال والتقاليد والعادات ومعتقدات الشعب الدينية والروحية والتاريخية والخصائص الاجتماعية المتناقلة شفاهياً بصيغة متعالية على آفاق الزمان والمكان ليصبح المسرح قادراً على القيام بوظائف حسية ونفسية و تعليمية.
وترى أن الكاتب – “جاسم محمد صالح ” يعتبر الأساطير العربية القديمة كنزا ومصدرا قيما لمسرح الطفل – المعاصر.
وتتوقف الدكتورة ” آمال ” لتشير إلى (التناص) ومفهومه عند جوليا كريستفا – وميشال فوكو- ورولان بارت – و ميخائيل باختين – لتشير الى ان دلالة مصطلح (التناص) الذي تراه كريستفا هو عبارة عن تقاطع لنصوص مضمرة في هذا النص الجديد بوصفه خلاصة ابداعية باقتباسات يحولها النص الى ابعاد خلاقة جديدة.
تتحدث الدكتورة “سامية غشير “- الجزائر عن القيم الجمالية في مسرحية ( أطفال الغابة ) لتقرن قيم الجمال بالابعاد التربوية من حيث : ” الفكرة – اللغة – الشخصيات الفضاء. الزمكاني – الصراع – الحبكة – العقدة – الحوار ( الخارجي والداخلي ) – حل العقدة “.
وتخلص الى ان الكاتب جاسم محمد صالح قدم دراما تتسم بجماليات فنية تلائم عمر الطفل وعقله لتسمو بروحه وتحفزه الى الابداع والاكتشاف والبحث والفهم .
وترى الأستاذة “سما الابراهيم” – الجزائر .
في مسرحية ( اطفال الغابة) سيميائيات تعبيرية في استلهام الموروث ، وتقوم بتشريح المسرحية وتحليلها للتاكيد على سيمياء العبور ودلالاته في التحول من نص (قديم للاسطورة) إلى نص مسرحي بمخيال معاصر . ليصبح فيه الطفل هو البطل عند الختام.
اما من العراق فقد تناولت الدكتورة : ” فاتن علي حسين” مفهوم :
( البناء الأسطوري ولغة التعامل مع الأطفال ) في تقديم البطل الخارق كلكامش وهو مزيج من ثلث اله وثلثين بشريين. للدلالة على بعد الواقع البشري القريب، والخيال الالهي البعيد .
في رموز ودلالات زمكانية من خلال الحوار والافكار واللغة والتعبير المباشر بينه وبين الطفل.
ثم تسرد الباحثة العديد من عناوين الروايات التي كتبها الاديب
(جاسم محمد صالح).
اخيرا يختتم الكتاب بنص مسرحية ( اطفال الغابة) .
من ناحية اخرى نرى نحن ان الكثير من الباحثين قد توقفوا عند ملحمة كلكامش ومن بينهم ” عبد المطلب السنيد” الذي قدم رسالة لنيل شهادة الماجستير في المسرح ،إلى جامعة كاليفورنيا في أمريكا وعنوان بحثه هو : ” أوجه التشابه بين ملحمة كلكامش وملحمتي الإلياذة والأوديسا – دراسة مقارنة ” مستنداً الى مصادر رصينة مثل ترجمة ( د. طه باقر ) لملحمة كلكامش . والدراسات التحليلية ل ( فراس السواح) وسواهم من الباحثين العرب والاجانب .
ويسعد – كاتب – هذه السطور بتقديم مسرحية ( الصبي كلكامش) قبل (اربعة عقود) ، في اكاديمية الفنون الجميلة بغداد . حيث تناولت فيها البطل كلكامش وهو في صباه وعبرت عما يخص الاسباب التعليمية التي نهلها من المدرسة وهو ما ابتكره العراقيون القدامى بريادة عالمية لاكتشاف الكتابة المسمارية ورموزها كما دونها عالم السومريات ( د.سمونوئيل نوح كريمر ) وحرصت عند تقديمها في العرض المسرحي بالتاكيد على اصالة هذه الملحمة الاولى تاريخياً في العالم وتبيان ملامح البطل كلكامش الذي ينتقل في طفولته من العنف الى السلم دفاعاً عن وطنه متطلعاً الى مستقبل مشرق افضل .
اما مسرحية الكاتب (جاسم محمد صالح ( اطفال الغابة ) فقد تناولت كلكامش الملك ومعه انكيدو والساحر ومجموعة الاطفال بحرية ابداعية متخيلة جديدة .
لكن الملحمة نفسها كما خطها ( يراع ) المبدع السومري القديم فانها بعد ان ترجمها ( د. طه باقر ) باتت مسرحية اعدها الفنان “سامي عبد الحميد” ، محافظاً ما في وسعه على تقديم نصها الأصلي، بمقاربة متماثلة مع الملحمة واجواءها .
ومما يذكر ان المسرحية قدمت لمرتين الأولى في كلية الفنون الجميلة بغداد – والثانية قدمتها الفرقة القومية بغداد .
لقد أجاد “جاسم محمد صالح ” في تصنيف مباحث كتابه وتبويبها منهجياً ساعياً لتنشيط الظاهرة الفنية والأدبية في المدارس ومخاطبة المجتمع ، بقيادة نخبة من المبدعين المسرحيين، بأختيار طلبة يتمتعون بمواهب وقدرات بينة، واستعدادات نظرية وتطبيقية متزامنة في بعدها المادي والثقافي المشع، بالخير والجمال والحق .
اذا بات الطفل لدى الكاتب ( جاسم محمد صالح ) هو رهان المجتمع على صنع مستقبل معافى من الأحقاد والقبح والاستبداد وهذا ما يوجب العناية بتثقيفه وتربيته منذ البدء ليتحمل مسؤليته عند نضجه في بناء وطن معافى من الامراض المجتمعية والتخلف والامية وبما تحفزه الثقافة المسرحية من موضوعات تثري البصر والبصيرة لدى المتفرجين بوعي وتدبر في حسن الاختيار وجدارة التقديم . شكرا للباحث والاديب (جاسم محمد صالح) في تطلعه الى مستقبل منشود متحضر والذي كرسه ابداعياً في ما قدمه من نصوص مسرحية فنية وروايات ادبية بفكر نير خلاق.

زر الذهاب إلى الأعلى