آراء حرة

حقوقي يحذر : «صندوق النقد الدولي» يغرق الدول المدانة في مشكلات الديون

كتب : عصام علوان

قال “نبيل أبوالياسين” الحقوقي والباحث في الشأني العربي والدولي، إن سياسات صندوق النقد الدولي، منذ إنشاءُة قبل 78 عاماً، كان الهدف الأساسي من وراء إنشاءةُ هي إعادة تنظيم المنظومة المالية والإقتصادية الدولية سعياً منه
لتفادي المزيد من الكوارث الإقتصادية كتلك التي عصفت بالعالم على مدىّ النصف الأول من القرن العشرين، وخلقت مناخاً خصباً للحروب الشاملة المُهلِكة، والمدمرة.

ولكن للأسف تحولت سياسات «صندوق النقد الدولي» إلى سلطة تسيطر، وتتحكم في السياسات المالية، والإقتصادية للكثير من الدول لا سيما دول العالم النامية، وبدلاً من أن تؤدي هذه السياسات، وبرامجها إلى تنمية، وإزدهار الدول النامية، فشلت هذه السياسات فشلاً ذريعاً متعمد في إخراج شعوب هذه الدول من التخلف الإقتصادي، والوَضْعٍ الإجتماعي المُزْريِ، وأدخلتها في أزمات مالية وإقتصادية طاحنة وأغرقتها في مشكلات الديون،
فضلاًعن؛ أن أصبح القروض الذي يقدمة«صندوق النقد الدولي» يعُد الآن أحد أهم الوسائل التي يستخدمها في إنتهاك سيادة الدول التي تقترض منه.

حيثُ تُعتبر الديون المـُثقَلة بشروط قاسية تحت مُسمّى “تعديل بنيوي” أداةً للهيمنة “الإمبريالية”، بمعنىّ
سياسة أو آيديولوجية تهدف لتوسيع نطاق حكم الشعوب، والدول الأخرىّ بغية زيادة فرص الوصول السياسي والإقتصادي، وزيادة السلطة والسيطرة، ويكون ذلك غالباً من خلال إستخدام القوة الصارمة،”العسكرية”والناعمة أيضاً، وتعُد في ذات الوقت وسيلةً خفية لوضع اليد على السياسات الإقتصادية والخارجية في البلدان النامية.

•• كيف وقت بعض الدول في فخ «صندوق النقد الدولي»؟

مع إنهيار عملة بعض الدول مقابل الدولار، وفقدانها أكثر من 100% من قيمتها خلال عدة أشهر، وإستجابةً لشروط صندوق النقد الدولي، إتجهت الأنظار سريعاً إلى تجربة هذه الدول بتجارب دول أخرىّ، وقعت في فخ قروض صندوق النقد الدولي، وتراجعت عملتها إلى مستويات قياسية، مقابل الدولار الأمريكي، بعد أن كانت متداولة بسعر أقل بكثير قد وصل خلال شهور قليلة، إلى نصف ما كانت علية الآن، مما يعني أن عملة تلكما الدول تراجعت بنسبة تخطت 103% حتى يوم “الأربعاء” الماضي، وهو ما سيزيد معاناة شعوب هذه الدول، من نسبة تضخم قد تصل إلى 21.9%، وفق الأرقام الرسمية.

وخاصةً الدول التي تستورد غالبية إحتياجاتها الأساسية من الخارج، حيثُ؛ تنعكس كل زيادة في سعر الدولار على الفور على أسعار السلع، ونقارن
الحال الذي وصلت إليه هذه الدول بدول آخرىّ سبقتها، والتي تأثرت عملتها كذلك فهبطت إلى مستويات قياسية بعد إقتراضها الكبير من صندوق النقد، وإنصياعها لشروطه وكانت أبرزها مرونة سعر الصرف، وعلى سبيل المثال وليس الحصر، وفق آخر إحصائية، فإن “مصر حلت في المركز الثاني ضمن أكثر الدول إقتراضاً من صندوق النقد الدولي، بعد الأرجنتين التي حلت في المقدمة.

وسجّلت الأرجنتين عملتها مستوىّ قياسيّاً في الإنخفاض إذ تخطت في الأيام القليلة الماضية إلى 180 بيزو أمام الدولار، في سلسلة إنخفاضات كبيرة للعملة بعد إتفاقية 2018 التي تعُد أكبر خطة إنقاذ في تاريخ صندوق النقد بقرض قيمته 56.3 مليار دولار، وقد تجاوز سعر الدولار في السوق السوداء في الوقت الحالي نحو 300 بيزو مقابل الدولار، ما جعل إقتصاد الأرجنتين ينكمش، وأصبحت تعاني هذه البلاد الواقعة في الجهة الجنوبية من أمريكا أحد أعلى معدلات التضخم في العالم، ويعيش في الفقر نحو 40% من سكانها البالغ عددهم 45 مليون نسمة.

وشهدنا في الشهر الماضي، بعدما وافق صندوق النقد على منح “مصر” قرضاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار تسدد على 46 شهراً، والذي يعُد هو الرابع منذ عام 2016، حين وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد على قرض لها بقيمة 12 مليار دولار، وتناولة رواد منصات التواصل الإجتماعي، وقال؛ بعضهم، إن من شروط قرض صندوق النقد الدولي تحرير سعر العملة، وبعد يومين إلغاء الدعم عن البنزين، والدولار هيوصل في خلال خمس سنوات إلى خمس أضعاف ما هو علية الآن،
مقارنتاً بسيناريو “الأرجنتين”ويعُد هذا مصير أي دولة تتعامل مع صندوق النقد الدولي وتوقع نفسها في فخ القروض.

ووصل إجمالي ديون الدولة “المصرية” الخارجي حتى شهر أكتوبر الماضي إلى155.7 مليار دولار، وذلك بزيادة نحو 113 مليار دولار خلال 9 سنوات فقط، وتحديداً منذ عام 2013، وفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، وجدول إستحقاقات أقساط، وفوائد الدين الخارجي على مصر، في ديسمبر الماضي 2022، حيثُ؛ أن مصر ملزمة بسداد نحو 83.8 مليار دولار عن خدمة الدين الخارجي خلال السنوات الخمس المقبلة، فيما لا يقل عن 10 مليارات دولار منها يلزم تسديده قبل نهاية عام 2026 لصندوق النقد الدولي.

ويبلغ عبأ خدمة الدين الذي يتعين على مصر سداده خلال العام المالي “2022:2023″ حوالي 42 مليار دولار، وفق ماجاء من البنك الدولي،
وتعاني مصر من أزمة حادة في النقد الأجنبي، حيثُ؛ تراجع الإحتياطي من النقد الأجنبي إلى 34 مليار دولار مقابل 41 مليار في شهر فبراير الماضي، ويشمل هذا الإحتياطي 28 مليار دولار من الودائع التي أودعتها الدول العربية «دول الخليج» لدىّ البنك المركزي المصري.

••نقص بعض السلع الأساسية مع إنخفاض قيمة الجنية المصري!

شهدت مصر موجة إرتفاع غير مسبوقة في الأسعار، مع إنخفاض القيمة الشرائية للجنيه، ونقص السلع الأساسية، وتقنين الحصول عليها، فضلاًعن؛ قيود الإستيراد المتعبة، وعبر كثير من المصريين عن سخطهم من سوء الأوضاع الإقتصادية، وعجزهم عن توفير الحد الأدنى من السلع الأساسية، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات، وشهدنا مقاطع” لـ” فديوهات متداولة عبر مواقع التواصل الإجتماعي، تظهر بعض النساء في مصر تستغيث بسبب غلاء الأسعار قائلة إنها عاجزة عن إستيعاب أن زجاجة زيت الطهي أصبحت بـ 65 جنيهاً، ويظهر المقطع المصور لها، وهي تقلي قطعاً، من البطاطس في كمية قليلة جداً من الزيت، في سخط منها على ما آلة إلية البلاد من تدني ملحوظ للوضع الإقتصادي، ما يطرح تساءلاً؛ هل وقت مصر في فخ«صندوق النقد الدولي»؟.

••كيف تصدر الجنيه المصري قائمة العملات الأكثر تقلباً في 2023؟

يبدو أن تخفيض جمهورية مصر العربية لقيمة الجنيه للمرة الثالثة في أقل من عام صار أقرب إلى تحقيق الهدف من ورائه، مع ظهور علامات على أن سوق النقد الأجنبي قد يتجه نحو الإستقرار، رغم خسائر الجنيه المصري في سوق تعُد سريعة التقلب، وهذا ما قالتةً صحيفة “بلومبرغ” الأمريكية أول أمس على صفحاتها، وأن مصر سمحت لعملتها بأن تضعف على مراحل، وعملية تخفيض قيمة الجنيه الأخيرة، التي بدأت الأسبوع الماضي، تساعد أخيراً على تضييق الفجوة مع الأسعار التي تشهدها السوق السوداء،
وبعد ما عانىّ الجنيه المصري، الأربعاء الماضي، من أكبر إنخفاض يومي له منذ أواخر شهر أكتوبر الماضي، تأرجحت العملة المصرية بين تحقيق مكاسب تجاوزت 1%، وخسائر بلغت 3% أمام الدولار، ماجعل
الكثير من تجار السوق السوداء أن أوقفوا تعاملاتهم بعد هبوط
العملة في هذا الأسبوع.

وتقلصت خسائر العملة المصرية يوم الأربعاء الماضي، عن مستواها القياسي بعد تدخل البنوك المملوكة للدولة ببيع الدولار، وفقاً لبنك “سيتي جروب”، وشهدت مصر ندرة في النقد الأجنبي على مدىّ عدة أشهر، إذ عانى الإقتصاد في “مصر” والذي تعُد أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان من إرتفاع تكلفة السلع الأولية من الغذاء إلى الوقود، الذي بدأ مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية،
والجنيه المصري فقدَ نحو 33% من قيمتهُ منذ أواخر أكتوبر الماضي، عندما أعلنت القيادة السياسية في مصر أنها ستنتهج سياسة مرونة أسعار الصرف، في خطوة ساعدتها على الحصول على قرض بقيمة 3 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

وألفت؛ إلى أنه قد إقتربت نهاية عملية تخفيض قيمة العملة، ونتجهُ الآن نحو زيادة مرونة سعر الصرف، ورغم أننا لا نتوقع أن تتحول القيادة المصرية إلى نظام التعويم الحر، فإنه من المنتظر أن نشهد مزيداً من المرونة بما يتماشى مع شروط «صندوق النقد الدولي»،
وحجم التداول، الأربعاء الماضي، إرتفع إلى نحو 831 مليون دولار، وفقاً لتقرير بنك “سيتي جروب”، في إشارةً إلى إستمرار عملية تلبية الطلب المتراكم على الدولار والإستعداد لتخفيف الطلب المكبوت على العملة الأمريكية.

في علامة على أن رأس المال الأجنبي بدأ يتدفق تدريجياً إلى داخل البلاد، سجل مستثمرون من البلدان العربية الأخرىّ بصافي شراء بنحو”236 مليون دولار” أي بما يعادل 7 مليارات جنيه من سندات الخزانة المصرية في السوق الثانوية، يوم الأربعاء، وفقاً لموقع بورصة الأوراق المالية على الإنترنت، إذ يمثل مزاد أذون الخزانة، إلىّ إختباراً رئيسياً لمدىّ الإقبال على الأصول المصرية بين المستثمرين الأجانب في العام الماضي، وكان التردد في السماح بتعديلات سريع لقيمة العملة طارداً للمستثمرين الأجانب في سوق الدين المحلية، وقد أدىّ إنسحابهم إلى رفع العائد على أذون الخزانة المصرية بأكبر نسبة منذ 7سنوات.

وختاماً؛ فقد سبق ووقعت ثلاث دول في فخ«صندوق النقد الدولي» هي الصومال والسودان والمكسيك، فحصلت الصومال في عام 1980، على قرض من إلا أن محاولات تطبيق توصيات الصندوق في الحياة الإقتصادية الداخلية للبلاد أدت إلى إنهيار الإقتصاد نفسه، ثم الدولة بأكملها، ونتيجة لذلك، بدأت حرب أهلية دموية طويلة، وإنقسمت البلاد نفسها إلى عدة أجزاء متناحرة، وحتى الآن، وبعد مرور 43 عاماً على هذا «القرض القاتل»، ولا تزال الصومال في حالة خراب وفقر، وباتت تعد واحدة من أخطر الدول على وجه الأرض.

ونفس الوضع حصل في تجربة السودان مع صندوق النقد الدولي هي الأخرىّ محزنة، حيث حصلت قرض لإجراء إصلاحات هيكلية في الإقتصاد في عام 1982، وصلت الإصلاحات في النهاية إلى طريق مسدود، وفي نفس الوقت كان لا بد من دفع الديون وفوائدها بملايين الدولارات بأي طريقة، وأدىّ ذلك إلى دمار الاقتصاد من ثم إلى أزمة سياسية في السودان تفاقمت بسبب الإنتفاضة المزمنة في جنوب البلاد، وكان يتوجب على السودان، الذي فقد بالفعل نصفه الجنوبي، سداد هذا الدين الذي تضخم بأنواع متعددة من الغرامات والعقوبات.

وأخير؛ المكسيك هي الأخرىّ وقعت في فخ «صندوق النقد الدولي»، حين واجهت أوائل الثمانينيات بشكل خطير إنخفاضاً في أسعار النفط العالمية، ولجأت حينها إلى الصندوق المزعوم الذي قدم ما يسمىّ بخطة بيكر لإنقاذ الإقتصاد المكسيكي، وحصلت بموجبها على قرض بقيمة 3.4 مليار دولار، فماذا كانت الحصيلة؟ دمر الإقتصاد في المكسيك بشكل كامل، وحصلت الولايات المتحدة، ممثلة في صندوق النقد الدولي، على سيطرة على المالية العامة للمكسيك، والنتيجة طبيعية وتتمثل في تدفق 45 مليار دولار من البلاد إلى الولايات المتحدة، في حين تسبب الفقر الواسع في حركة هجرة إلى بلدان أخرىّ.

زر الذهاب إلى الأعلى